إصدارات.كوم : دليل قراءة
سعيد يقطين - الاثنين 23 سبتمبر 2019

أنا لست دكتوراً !





تناقش سنويا عشرات رسائل الدكتوراه في كليات الآداب العربية. وفي كل سنة يصبح عدد من الباحثين يحمل لقب دكتور، أو أستاذ. وحين نزور أروقة الجامعات العربية في المعرض الدولي للكتاب نجدها أبأس الأروقة في أي معرض. لماذا لا تطبع هذه الرسائل والأطاريح؟ ما هي قيمتها العلمية والأكاديمية؟ وما مدى مساهمتها في تطوير الفكر الأدبي العربي وجعله يحتل مكانة وسط الجامعات العالمية؟ أسئلة كثيرة تفرض نفسها على الواقع الذي تعرفه الجامعة في الوطن العربي. لكننا، بدل أن تصدى للقضايا الحقيقية، نعنى بمشاكل سطحية وتقنية حين نتحدث عن الجامعة ودورها في الحياة، كما أننا نتحمس كثيرا لتصنيفها في رتب الجامعات، وما شاكل هذا من المسائل الهامشية.

لا يمكننا قياس مكانة الجامعة في المجتمع بعدد الجامعات ولا بعدد الطلاب، ولا حتى بعدد الرسائل التي تناقش فيها، ودرجات الأساتذة. إن كل ذلك إذا لم يصاحبه المحتوى الذي يكشف عن الواقع الفعلي للتطور المعرفي، تكون كل تلك الأعداد والأرقام غير ذات جدوى. وكما يمكننا أن نتعرف على مستوى إنتاج الجامعة من خلال إعلامها الأكاديمي الذي يعكس عطاءات المشتغلين فيها، يمكننا معاينة ذلك من خلال الموضوعات التي تعالجها الرسائل والأطاريح، وقبولها التداول على نطاق واسع إسهاما منها في التطوير الثقافي والعلمي.

أتذكر في السبعينيات والثمانينيات أن مناقشة رسالة الماجستير، فضلا عن الدكتوراه، كانت حدثا ثقافيا بامتياز. كان يتابعها طلاب وباحثون وقراء من مختلف المدن المغربية. تدوم المناقشة الساعات الطوال. وكان من بين التوصيات التي ينتظرها الجميع: “توصية بالطبع”. وفعلا كانت الجامعة تطبع الرسائل والأطاريح. وما كان يطبع منها يكون له أثره في الحياة الثقافية، ويستمر تأثيره زمنا طويلا. ويؤكد هذا بالفعل أن البحث الأكاديمي يمكن أن يسهم في الارتقاء بالمجتمع.

صارت تلك المناقشات والأطاريح جزءا من الذكريات الجميلة. ولعل السؤال الذي يفرض نفسه يتعلق بالتغيير الذي طرأ حتى فقدت الأشياء بريقها ودلالتها؟ يمكن أن يكون الأستاذ المشرف والطالب معا مدخلا لتفسير بعض جوانب هذا التغيير. فالأستاذ كان، في النظام القديم، مختصا في مجاله، وحجة فيه كما يقول القدماء. وحين يتوجه إليه الطالب يعرف جيدا ما يمكن أن يشتغل به، وما عليه أن يقدمه لأنه لم يقدم على التسجيل إلا بعد أن طرح الأسئلة، واختار الموضوع، وجمع كل متطلباته. وكانت اللجنة العلمية، وهي تُجل الأستاذ المشرف لكفاءته توافق على تقرير الطالب بعد تقديم بعض الملاحظات الشكلية. ويتابع المشرف العمل من بدايته حتى نهايته. كان الجراري في الأدب المغربي، وبنشريفة في الأندلسيات، ومحمد برادة واليابوري في الرواية، ومحمد مفتاح في تحليل الخطاب والسيميائيات، ومحمد بنيس في الشعر…

تغيرت أشياء كثيرة كنا نطالب بها للتطوير والمواكبة. وجاء النظام الجديد ليستحدث ما كان غائبا، سواء على مستوى الماجستير أو الدكتوراه. ولعل أهم تغيير في رأيي يكمن في الانتقال من دور الأستاذ المفرد إلى دور الجماعة. وتمثل ذلك في إحداث فرق للبحث، وبنيات، ومختبرات ومراكز، ومدرسة للدكتوراه. نظام اقتبس من التجربة الفرنسية، ولكن بدون مضمون الجامعة الفرنسية وشروطها. غير أن نقطة الضعف الجوهرية في تبني هذا النظام الجديد كانت تكمن في غياب ضمان انتقال سلس من النظام القديم إلى الجديد. فكان الاستعجال وعدم التمهل سببا في تشكيل كل البنيات بدون توفير الشروط اللازمة لذلك. تأسست فرق للبحث لا تراعي التخصص، ولكن العلاقات بين الأساتذة، ووضعت عناوين مخادعة وبراقة للفرق والمختبرات والمراكز لا تتلاءم مع الواقع الفعلي. وفتحت أبواب التسجيل للطلبة بدون أن تكون هناك تصورات مضبوطة، ولا نقاشات حقيقية حول المواد التي تدرس، أو التخصصات التي يراد الاشتغال في نطاقها.

لم يكن العمل الجماعي، كما يتطلبه النظام الجديد، تصورا واضحا لدى الجميع. صار كل يحلم بأن يكون “الرئيس” الذي يفرض ما يراه ملائما وإن كان يتعارض مع مستلزمات العمل. وبات التهافت على طلب اعتمادات لفتح مسالك للماجستير ليس لتقديم رؤية جديدة، أو اجتهاد في تطوير الدرس الأدبي، ولكن بهدف التخلص من الاشتغال في الإجازة، أو تقليل أعباء العمل بادعاء مسؤولية التنسيق، لم يكن ما يجري في أي تكوين للماجستير يخضع للعمل الجماعي، أو الاشتراك في تكوين طالب بمقومات محددة وملموسة يشترك الجميع في تحقيقها. كل يعمل وفق ما يراه. ويظل الطالب مقيدا بكثرة العروض التي عليه إنجازها دون أن يرى روابط بينها بحيث تسهم مجتمعة في تعميق تكوينه في اختصاص معين، مع رفده بمتطلبات موازية تلعب دورا في توسيع مداركه ورؤيته للأشياء. بات هم الطالب الأساس هو النجاح بغض النظر عن مستقبل تكوينه، ولكل حادث حديث.

تبدو نتائج هذا العمل غير المنظم بالصورة الجماعية المطلوبة على مستوى انتقال الطالب إلى مدرسة الدكتوراه. وبما أن الجسور لم تكن قائمة بين تكوينات الماجستير والدكتوراه، كانت الضرورة تستدعي اختيار الطالب الحاصل على أي شهادة للماجستير للتسجيل في أي تكوين للدكتوراه، فغاب التقيد ببنية البحث، والتكوين المتحصل عليه. يؤكد لنا هذا غياب “تخصصات” دقيقة، وأن عناوين التكوينات المختلفة بدون معنى. فقد يتسجل طالب في الدكتوراه، وقد تلقى تكوينه في بنية لا علاقة له بما يطلب التسجيل فيه. وحتى الأستاذ المشرف الذي سيتابعه قد لا تكون له أي علاقة بما سيبحث فيه الطالب. فكيف سيكون البحث المنجز في هذا السياق؟

في غياب بنيات للبحث تنهض على أساس الاختصاص لا نجد تمايزا بين مختلف التكوينات. وحين لا يكون التقيد بالحفاظ على الاختصاصات، لأنها غير موجودة. كيف يمكن لأستاذ لا علاقة له بالرواية مثلا أن يشرف على بحث يتعلق بها؟ وبماذا يمكنه أن يفيد الطالب؟ وكل المشاكل المترتبة عن ذلك لا يمكنها إلا أن تنعكس على مستوى الرسائل أو الأطاريح المنجزة التي تناقش الآن، وهي في النتيجة النهائية إما “مشرفة”، أو “مشرفة جدا”، عكس ما كانت عليه النتائج في النظام القديم حيث كانت تبدأ بمقبول، وتنتهي بحسن جدا، مرورا بمستحسن وحسن.

هذه الصورة التي قدمتها مختزلة تكاد تكون مشتركة بين مختلف كليات الآداب العربية، مع فروقات شكلية وإدارية. أما المحتوى فواحد. لقد استحدثت بنيات جديدة للتأطير، والبحث، ولكنها تشتغل بطريقة قديمة. وإذا كانت البنيات القديمة تشكلت في زمن مختلف فقد كانت تطبعه المسؤولية الأخلاقية والروح الوطنية. أما البنيات الجديدة فقد استحدثت في زمن مختلف وعلى المستويات كافة. لقد تغيرت أشياء كثيرة نحو الأحسن بتوفر إمكانيات كثيرة تساعد على تطوير البحث، وخاصة مع الانتقال إلى عصر المعلومات، لكن الطريقة التقليدية التي نشتغل بها جعلت إمكانية الاستفادة منها منعدمة، لذلك لا يمكننا أن نجني إلا الرداءة، وتكون الأبحاث المنجزة ضعيفة، وأروقة الجامعة بدون منجزات حقيقية. إن السؤال الأكاديمي حول واقع الجامعة العربية يتطلب الحوار النقدي لأنه هو أساس تطوير المجتمع والثقافة.

في ملتقى حول القراءة من الورقي إلى الرقمي قدمت مسيرة الجلسة الكاتب عبده حقي على أنه دكتور، وعند أخذه الكلمة بين أنه ليس دكتورا، فقلت له بأنه أكثر جدية من عدد كبير من الدكاترة!

المصدر


نقط هذا المقال

قصاصات |  أدوات | كتـب | كتاب | ناشرون | نصوص