عمراني كربوسة - الخميس 17 أكتوبر 2019

الإسلام السياسي في الجزائر




كان لظهور جماعة الإخوان المسلمين في أواخر العشرينات من القرن 20 بمصر بالغ الأهميّة في رسم الخارطة الجيو إستراتيجية للحركات الإسلامية في معظم دول العالم العربي والإسلامي بشكل عام.


فقد دخلت جماعة الإخوان في صراع مع النظام المصري وصلت إلى حد استخدام العنف الذي بلغ أوجه باغتيال الرئيس أنور السادات في06 أكتوبر1981، إلّا أنّ النظام المصري تمكن فيما بعد من احتواء الظاهرة الإسلامية باستخدام الردع الأمني تارة وأسلوب الحوار وغض الطرف تارة أخرى.

أمّا في إيران فقد تمكّن الإسلاميون من الوصول إلى الحكم بعد ثورة 1979 السلمية عن طريق الضغط الجماهيري على نظام شاه إيران مطالبين بضرورة خلعه، مما أجّبر الجيش على التزام الحياد وعدم الدخول في مواجهات مع الجماهير.
على عكس ما حدث في سوريا حيث استخدم النظام استراتيجية الردع الأمني العسكري العنيف وصل إلى حد استخدام الأسلحة الثقيلة وحتى الطيران من أجل إبادة انتفاضة الإسلاميين، وإصدار قرار رسمي بإعدام كل من ينتمي إلى تنظيم الإخوان المسلمين بعد أحداث حماة 1983، لكن في السنوات الأخيرة شهد الوضع انفراجا واتفاقا كبيرا بين النظام السوري وقيادة الإخوان بجلوس الطرفين إلى طاولة الحوار عوض منهج الصدام.

في حين اعتمدت تونس أسلوب الردع القانوني تجاه حركة النهضة الإسلامية، عوض الردع الأمني الدموي، حيث جرت عمليات الردع عبر مجالس العدالة والمحاكم، خوفا من تهديد الإسلاميين للنظام القائم.

أما في تركيا فقد تمكن حزب العدالة والتنمية ذو الاتجاه الإسلامي من الوصول إلى سدّة الحكم لكن عبر صناديق الاقتراع، وهذا بعد تقديمه للعديد من التنازلات للنظام العلماني القائم تحت رقابة الجيش وإشرافه غير المباشر على الحياة السياسية.
وهو الشيء الذي لم يحدث للحركة الإسلامية الجزائرية المتمثلة في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، الأمر الذي جعل التجربة المعروفة "بالإسلام السياسي الجزائري" متميزة عن كل التجارب السالفة الذكر، فباسم الديمقراطية وصلت الجبهة إلى مراحل متقدمة من الحكم وأصبحت على مرمى حجر من استلام السلطة، وباسم الديمقراطية أُجهضت العملية الانتخابية وصودرت أصوات الشعب، لتصبح الجزائر في لحظة من اللحظات محطة أنظار العالم بأكمله خاصة الدول العربية والإسلامية، ونقطة تحوّل في مسار الحركة الإسلامية العالمية فالقادة العرب خاصة يدركون أنّ ضباط الجيش الجزائري أنقذوا كل المنطقة من الخطر "الإسلاموي الأصولي"، وهم يدركون أيضا أن نجاح الجبهة في الوصول إلى الحكم في الجزائر لن يبقَ نجاحا محليا وإنّما ستنتشر العدوى إلى جميع أرجاء المنطقة.

ونتيجة لذلك سجلت الحركة الإسلامية عموما أو ما يعرف " بالإسلام السياسي " تراجعا كبيرا اعتبره بعض الكتاب من أمثال جيل كيبل و برينو إتيان بأنّه انهيار وفشل نهائي، لن تقوَ بعده الحركة الإسلامية على الظهور وتجديد نشاطها السياسي من جديد. لكن تطوّر الأحداث أثبت معطى سياسي جديد، حيث تمكّن التيار المعتدل للحركة الإسلامية من فرض نفسه على الساحة السياسية، وصل إلى درجة حجز مقاعد هامة داخل غرفة البرلمان على غرار ما حققه الإسلاميون في المغرب، الذين فازوا بـ 42 مقعدا في تشريعيات 2000 وهذا رغم مضايقات القوى المنافسة والنخب الحاكمة، بل أكثر من ذلك تمكن التيار المعتدل من تحقيق الأغلبية في البرلمان البحريني بفضل تحالفات الإسلاميين وذلك في ظل الحملات الإعلامية التي يتعرض لها مجلس التعاون الخليجي من جانب الإعلام الغربي.

أمّا في الجزائر وما تحتله الحركة الإسلامية المعتدلة خاصة حركتي مجتمع السلم والإصلاح الوطني من موقع سياسي خاصة بعد مأساة 1992 وانعكاسات ذلك على المشاركة السياسية للحركتين، وذلك في اطار واقعهما السياسي والتحديات المستقبلية التي تواجهما.

فضمن هذا السياق إذن يسجل "الإسلام السياسي" حضورا متجددا في ميدان العلاقات الاجتماعية والسياسية في البلاد العربية المعاصرة، فلم تعد السياسة تملك أن تعبّر عن نفسها في العقود الثلاثة الأخيرة بمعزل عن الدّين على حد تعبير عبد الإله بلقزيز.

وبالتالي فأهمية الموضوع تكمن أساسا في أنّ وصول التيار المعتدل إلى مواقع المسؤولية وعبر الإرادة الشعبية، يعدّ بمثابة تحوّل كبير في الأداء السياسي الحركة الإسلامية التي راهن الكثير على نهايتها لأسباب أو لأخرى من جهة، ومن جهة أخرى مدى تقبّل العالم الخارجي لها بشكل أفضل من ذي قبل لإعتبارات مختلفة، يمكن أن يفتح الطريق أمام التوصل إلى آليات جديدة لتمثيل هذا التيار في نطاق النظم السياسية لدول عربية وإسلامية أخرى دون أي حساسية، خاصة وأنّ التجارب المشار إليها تقدم نماذج لقبول هذا التيار الإلتزام بقواعد النظام الديمقراطي، وهذا بعد ما أزال من تفكيره أيّة نية للانقلاب على تلك القواعد. ومنه فعودة الحركة الإسلامية إلى الواجهة بتيارها المعتدل، تعدّ جوهر أهمية موضوعنا هذا.

نقط هذا المقال

قصاصات |  أدوات | كتـب | كتاب | ناشرون | راصـد | نصوص