وات - isdarate.com - السبت 12 أكتوبر 2019

ببيت الرواية : قراءة في المنجز الإبداعي لهاروكي موراكامي





تونس - الكتابة عند هاروكي موراكامي "لعبة خشنة" و"الكتابة طوال اليوم شبيهة بصناعة الفيلم والتمثيل فيه بذات الوقت" ومع ذلك فالرواية عنده "تدفئ القلوب والعقول". هكذا تحدث مدير بيت الرواية كمال الرياحي في تقديمه لهذا الروائي الياباني الذي مثل منجزه الإبداعي محور لقاء استضافه بيت الرواية بمدينة الثقافة مساء الخميس وقدم خلاله الجامعي العادل خذر قراءة في أعمال هذا المبدع المتفرد المرشح اليوم لنيل جائزة نوبل للآداب.

في كلمته التقديمية اعتبر الرياحي أن نص موراكامي، وبفضل أفكار صاحبه المختلفة، "يلاحق قارئه في كل أصقاع العالم" فقد حطم موراكامي أرقاما قياسية في بيع مؤلفاته إذ وصل عدد بيع بعضها الى 3 ملايين نسخة وبيع من كتابه الأخير "1984" عشرات الآلاف من النسخ قبل صدوره أي أن معجبيه حجزوا نسخهم قبل طبع الكتاب. لكن هذا الرقم المخيف من المبيعات، على حد تعبير كمال الرياحي، "لم يشفع له عند اليابانيين الذين ظلوا ينظرون إليه بتحفظ بسبب النهج الأدبي الذي اتخذه والذي يرون فيه تهديدا لخصوصية الأدب الياباني".

النهج الأدبي لهاروكي موراكامي، مثل أحد ركائز المحاضرة التي ألقاها الباحث العادل أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، انطلاقا من سبر أغوار شخصيات وأبطال رواياته تلك الشخصيات التي يصف من خلالها موراكامي "ذوات ما بعد الصدمة" قاصدا بذلك صدمة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي عاشها اليابانيون وذاقوا منها الويلات.

وفي قراءة لأبطال بعض روايات هذا الكاتب الياباني، وخاصة "مقتل قائد الفرسان" و"كافكا على الشاطئ" وأخبار الطائر الآلي" التي اعتبرها خذر من أعظم ما كتب موراكامي، بين كيف ان صدمة الحرب ليست مجرد حادثة عرضية تزول بمجرد وقوعها بل تصاحب المصابين بها وتجتاح ذواتهم على نحو كارثي، فتفرز ذوات أخرى تتسم بانعدام التعاطف وباللامبالاة العميقة والانفصال عن الوجود في العالم، فهذه الذات وفق خذر، "تعيش الموت بوصفه شكلا من أشكال الحياة".

ومن هذه الذوات المصدومة بكوارث الحرب وأهوالها شخصية جندي ياباني في رواية "مقتل قائد الفرسان" جعلته الحرب يتحول الى مجرم حرب حيث يقع إكراهه على قطع رؤوس الأسرى وهو الذي ربيت أصابعه على عزف الموسيقى السمفونية على البيانو . ومن خلال هذه الشخصية قص موراكامي بصورة عرضية وقائع المعركة التي خاضها الجيش الياباني في مدينة "نانجينغ" في الصين (ديسمبر 1938) وانتهت بمجزرة رهيبة "اضطر فيها الجيش الياباني إلى قتل عدد هائل من الجنود الصينيين ممن سلموا أنفسهم والمدنيين الأبرياء بلغ عددهم نحو 400 ألف ضحية" بحسب ما أورده موراكامي في روايته. 

وباستعادة وقائع هذه المعركة وغيرها من المعارك التي خاضتها اليابان أبرز موراكامي موقفه من الحرب العالمية الثانية ومن فضيحة "مجزرة نانجينغ" التي سكتت عنها الرواية اليابانية طويلا كان موراكامي أول كاتب ياباني يجرؤ على الكتابة عن هذه المجزرة وفظاعتها وفق العادل خذر. 

وأشار في هذا الصدد إلى أن روايته الأخيرة "مقتل قائد الفرسان" أثارت جدلا كبيرا في الأوساط الصينية التي حيته على شجاعته وكذلك في الاوساط اليابانية خاصة القومية التي انتقدته واتهمته بالاعتراف بمذبحة لم تقع أبدا ولا وقائع لها في التاريخ.

ودعا العادل خذر الى وضع روايات موراكامي في إطارها فهي تمثل في تقديره "الروح اليابانية المنهزمة حربيا" معتبرا في السياق ذاته أن الرواية اليابانية خاصة بعد 1970 لا تصف سقوط اليابان ولا أرض الخراب التي خلفتها الحرب بل تصف ولادة اليابان أي "ولادة ما بعد الحرب وانتصار المنهزم".

روايات موراكامي تمثل منعرجا روائيا جديدا في سياق الأدب الياباني، وفق ما أكده العادل خذر الذي أشار في هذه المحاضرة إلى التأثر الفكري لموراكامي بعديد الكتاب الكبار من بينهم جورج اورويل، ويبدو ذلك جليا في بناء عوالمه الروائية. وقد ترجمت أعمال هذا الكاتب الياباني المتميز إلى نحو خمسين لغة وهو ما يؤكد تميز شخصيته الأدبية فهو يسعى من خلال كتاباته الى استعادة كرامة الذات الفردية، بحسب تعبير مدير بيت الرواية الذي تحدث بالمناسبة عن هاروكي موراكامي المولود في مدينة كيوتو سنة 1949 هذا الروائي العداء عاشق الماراطون، وموسيقى الجاز والقطط والروائي الذي تمرد على العائلة وتقاليدها وثقافتها بسبب اللعنة الممتعة أو غواية اللغة الانقليزية التي أسقطته في عشق الأدب الأمريكي.

موراكامي المرشح لنيل جائزة نوبل للآداب، يحمل في رصيده عديد الجوائز الأدبية العالمية منها جائزة عالم الفنتازيا (2006) وجائزة فانز كافكا (2006) وجائزة القدس (2009) التي ألقى بمناسبة تسلمها كلمة تناقلتها كل وسائل الإعلام حيث أحرج إسرائيل يومها بالقول "إسرائيل لم تحبك قصتها جيدا وكتبت رواية فاشلة بتفككها لأن الرواية تربية حياة وإسرائيل كانت في غزة تربي الموت".

ببيت الرواية : قراءة في المنجز الإبداعي لهاروكي موراكامي