- الاحد 20 أكتوبر 2019

حمدي أبوجُليل: استغلال الرواية لخدمة قضايا سياسية لا يناسب الفن





تساءل الروائي الراحل نجيب محفوظ يوما، أو ليست الحقيقة أغرب من الخيال؟ وكتب الأديب توفيق الحكيم، إنه لم يعد يميز الحدود الفاصلة بين عالم الحقيقة والخيال، فالكثير من الأحداث الحقيقية الآنية كانت مُجرد خيال قبل عقود.

ودخل الكاتب الأميركي سيدني هاريس، إلى العمق أكثر عندما قال “إن السبب في أن الحقيقة أغرب من الخيال، هو أن الخيال يجب أن يربطه خيط منطقي ليجعلنا نصدقه، أما الحقيقة فقد تكون لا منطقية تماما”.

من هُنا جاء طرح الروائي المصري حمدي أبوجُليل بضرورة أن يكتب الناس ذواتهم ليقدّموا للعالم روايات مدهشة تستحق الخلود، لأن الناس تنتظر الحقيقة لا الخيال، لذا فإن ساحة الأدب العربي في شوق لرواد جدد يُعبّرون عن تجاربهم الخاصة، يسكبون رحيق أنفسهم، وينثرون “الأنا” للعالم دون استهداف مُسبق لموعظة أو قيمة أو فكرة.

يُمثّل أبوجُليل تجربة فريدة في الأدب، تستلهم روح الصحراء، وتُقدّم البداوة العربية بصورة أخرى غير نمطية، ما يثُير روح التشبّث بالتراث وعدم الفرار منه تحت سيفيْ الحداثة والسلفية المعاصرة.

تجارب ذاتية خالدة

يقول حمدي أبوجُليل في حديثه لـ“العرب”، إن القضية السياسية يجب استبدالها لدى الروائيين العرب بالتجربة الذاتية، لأن “التعرّي الإنساني حائط الصد الأنسب ضد موجات التطرف والتعصب السائدة”.

ويؤكد أن الرواية ليست تعبيرا عن معنى أو أخلاق ولا سياسة ولا قضية، وبعض الروائيين يقدمون أفكارهم السياسية من خلال الرواية وهذه جريمة ترتكب ضد الرواية، “جرجرة الرواية لخدمة القضية، أي قضية لا يناسب عظمة الرواية”.

البداوة العربية بصورة غير نمطيةالبداوة العربية بصورة غير نمطية

وفي اعتقاده أن الرواية العربية، منذ زمن نجيب محفوظ وحتى الآن تُستغلّ والإنسان وحتى الحيوان فيها، ويتمّ التوظيف للتعبير عن فكرة ما تدور برأس الكاتب.

أوضح أنه من حق مَن يريد المشاركة في العمل السياسي أن يُنشىء حزبا، ويكتب منشورا، أو مقالا صحافيا، أو يُلقي خطبة عصماء، أو حتى يُنظم مظاهرة أو إضرابا، لكن أن يختار الرواية للعمل السياسي، فلا شك فإنه اختيار للوسيلة غير المناسبة.

ورغم عدم تصريح أبوجُليل بالرفض أو الاختلاف مع روايات الكثير من المبدعين العرب التي قدّمت رؤى سياسية مباشرة، مثل عبدالرحمن منيف، الطاهر وطار، صنع الله إبراهيم، علاء الأسواني، لكنه لا يشجع الكتاب الجدد على حذو حذوهم.

وجاء رد أبوجُليل على تصوّر سائد لدى كثير من القراء والنقاد والمتابعين، مفاده أن مشروعه الإبداعي يستهدف نقل المجتمع البدوي بشخوصه، سحره، أجوائه، وعاداته إلى الناس، الظاهر في روايته “لصوص متقاعدون”، ومجموعته “طي الخيام”، وبشكل أوضح في أحدث رواياته “صعود وانهيار الصاد شين”.

في الرواية الأخيرة تحديدا لا يكتفي الرجل بعرض مشاهد حياتية لشخص “صاد شين”، أي بدوي ينتمي إلى الصحراء الشرقية في ليبيا والغربية لمصر، وينتقل إلى مدينة سبها مستغلا إعلان العقيد الراحل معمر القذافي منح الجنسية لبدو مصر (الصاد شين)، إنما يستعين بلهجة البدو الخاصة والفلكلور الشعبي الذي يتضمّن أغاني تراثية كادت تندثر.

يؤكد الروائي المصري لـ“العرب”، أنه لا يستهدف الصحراء أو البدو قصدا، إنما يسعى إلى كتابة تجربته الذاتية كبدوي مرتحل من قبيلة عربية إلى القاهرة، وفكرته الأساسية أن الحقيقة أقوى من الخيال وأروع وأخصب وأكثر سحرا، وتجارب الإنسان بكل ما فيها أثرى من خيالات روائيين. وكما يؤكد فقد اقترب الروائي الكولومبي الكبير غابريال غارسيا ماركيز كثيرا من ذلك المعنى عندما قال يوما “لم أكتب شيئا لم أره”.

شروط الكتابة الشخصية

يكرر الأديب المصري في حواره مع “العرب” القول إن إيمانه الذاتي أن يكتب الكاتب ذاته، وكل ما يعرفه وما عاشه، ويضع اسمه كبطل لرواياته.

في تصوره، أن لذلك شروطا عديدة، أولها ألا ينتقي الكاتب من حياته ما يريد، ويخفي ما يشاء، ويصدق تماما، فيكتب دون فخر ودون خجل، فالروائي الأعظم من يضع حياته على المكتب ويقدمها عارية تماما، ما يجعل الرواية صالحة لكل زمان ومكان.

وضرب نموذجا للتدليل على رأيه بالأديب الإنكليزي إرنست هيمنغواي (1899-1961) مقررا أن أجمل أعماله هي رواية باسم “وليمة متنقلة” كتبها عن عشرينياته في باريس، ولم يسمها رواية ربما بسبب هيمنة النوع الروائي التقليدي الذي لا يعترف بالتجارب الذاتية كروايات، وانتحر قبل صدورها، لكنها تبقى أجمل ما كتب.

الرواية ليست تعبيرا عن أخلاق ولا سياسة ولا قضية، وبعض الروائيين يقدمون أفكارهم السياسية من خلال الرواية

أما على المستوى العربي، فإن أفضل من قدمها كان سليمان فياض في “كتاب النميمة”، وهي رواية كاشفة لنخبة مصر ومثقفيها وطبائعهم الحقيقية من أمثال أمل دنقل، ونجيب سرور وغيرهما، وجميعهم شخصيات أدبية مدهشة.

إذا كان البعض يرى أن الخيال إحدى القواعد الأساسية للعمل الروائي، فإن الأديب حمدي أبوجُليل يرفض القولبة ويرفض السلفية الأدبية المكررة لثيمات السابقين أو التورط في قضايا السياسة، قائلا “الأمر أصعب كثيرا، فالخيال أمر سهل، لكن أن يتحول الكاتب إلى مادة للتمحيص، فليس أمرا سهلا”.

ويلفت الروائي المصري إلى أن البعض يخلط بين التجربة الذاتية وبين أدب الاعتراف، وما يقصده ليس اعترافا أو فضحا، إنما حقيقة تُسكب على الورق لتُمتّع قارئا لا يعرفها.

من هُنا، يقف كثيرا أمام تجربة الروائي المغربي محمد شكري في “الخبز الحافي” و“الشطار”، وعلّق قائلا “شكري مثّل خطوة رائدة في الوصول إلى الإنسان لكنه توقف عند الاعتراف، والرواية المشتهاة ليست الاعتراف وإنما محاولة للفهم”.

هناك تحفظات عديدة على الأديب، أكثرها شيوعا ما يخص لغته المستخدمة، فالبعض يعيب عليه استخدام العامية المصرية في السرد، لكنه لا يجد في ذلك ضعفا أو تعصبا بل يؤكد أنها أصبحت مقبولة ومفهومة لحد بعيد لدى شريحة كبيرة من العرب.

تجربة فريدة تستلهم روح الصحراء تجربة فريدة تستلهم روح الصحراء

ويقول، إن بعض النقاد والأدباء مثل الأديب اللبناني حسن داوود طالب باعتماد اللهجة العامية المصرية كلهجة عربية عامة، وربما كان ذلك بسبب الفن الذي جعل العامية المصرية تدخل كل بيت عربي.

بالطبع، هذا رأيه وقد لا يتفق معه كثيرون، رغم تدليله عليه بأن كافة الروائيين في دول أميركا اللاتينية المتحدثة بالإسبانية يكتبون بلهجة مدريد، والكثير منهم قد يعيش ويموت دون أن تطأ قدماه عاصمة إسبانيا.

يوضح الأديب المصري لـ“العرب” أنه تربى أدبيا لدى ثلاثة مبدعين كبار كانوا يهتمون بالأصوات الجديدة، وهم خيري شلبي وإبراهيم أصلان ومحمد مستجاب، وإلى جوارهم تعرّف على الثقافة والإبداع والفن، وهو البدوي المتمدن الباحث عن جمال حقيقي، ولا يجد حرجا في إشارة البعض إلى أنه استقى عنوان “صعود وانهيار الصاد شين”، من “صعود وانهيار آل مستجاب” للأديب الراحل محمد مستجاب، وهذا صحيح ولا ينكره.

في رأي أبوجُليل، إن أكبر محنة تعرضت لها المجتمعات العربية تمثلت في ثورات التحرر الوطني من الاستعمار على المستوى السياسي، وتطبيق الحداثة على المستوى الثقافي، قائلا “حركات التحرر الوطني أخرجت الاستعمار الأجنبي وأقامت أنظمة سلطوية غير عادلة في معظم البلدان، بينما هدمت الحداثة أبنية الثقافة السائدة، ما قاد المجتمعات لأن تقع فريسة للحركات السلفية الدينية”.

ويوضح أن رواد الحداثة العربية ماتت نصوصهم، وهم مازالوا أحياء مثلما هو الحال مع نصوص الشاعر أدونيس أو الأديب إدوارد الخراط، وأن منطق الحداثة بنسف الثقافات السائدة لم يكن صالحا، “لو كان لديك جدار قديم اتركه حتى يسقط وحده، فذلك أفضل”.

ويشير إلى كفره بثورات الربيع العربي، رغم مشاركته لثمانية عشر يوما في انتفاضة 25 يناير بالقاهرة سنة 2011، بسبب انقضاض التيارات الدينية المتعصبة عليها، ومحاولة إعادة المجتمع خمسة عشر قرنا إلى الخلف.



المصدر : http://algerianreporters.com/culture/1663223...

نقط هذا المقال

قصاصات |  أدوات | كتـب | كتاب | ناشرون | راصـد | نصوص