Isdarate.com - الاثنين 21 أكتوبر 2019

عبد الله العروي: القرآن ليس لغة فصحى





حوار مع عبد الله العروي

أجري هذا الحوار مع المفكر المغربي عبد الله العروي من طرف جريدة الأحداث المغربية في عدد 22 نونبر 2013

  • عبد الله العرويانطلاقا مما أدليتم به إلى حد الآن و أنتم تقاربون هذا الموضوع الشائك الذي يعنيكم شخصيا، أين يكمن المشكل لدى أصحاب الدعوة إلى اعتماد الدارجة في التدريس و الكتابة ؟

لأجيب عن هذا السؤال، أنطلق من كوني ألاقي صعوبة في استيعاب كيف يغامر هؤلاء الأشخاص و يدعون هكذا ببساطة إلى التدريس بالدارجة و اعتمادها لغة للتعلم و الكتابة، دون احتساب عواقب ما يدعون إليه،فإما أنهم لم يمروا من مرحلة التعلم كما مر منها أغلب المغاربة، و إما أنهم لم يمارسوا التعليم و لم يخبروا مجاله المعقد، و إما أنهم لم يشرفوا على تربية أبنائهم و تتبع مسارهم التعليمي و ما يعترضهم من مشاكل في تطور اكتسابهم للغة، أو أنهم لم يجربوا الكتابة و لم يخبروا مجال الكتابة الفنية المعقد. أقول كل هذا لأستخلص الخلاصة التي تهمني، و هي أنهم لم يمارسوا كل ما سردته ليقفوا بالملموس على مستوى و محدودية ما يدعون إليه، و أنه لا يمكن أن يحل المشكل اللغوي القائم. سأضطر هنا إلى العودة إلى تاريخ هذا المشكل، و سأكتفي بإعطاء مثال كاف للدلالة على الاستخلاص الذي استخلصته و خرجت به من هذه الدراسة التي أنجزتها حول الموضوع. أريد أن أقول إن مشكل اللغة العربية و الدارجة و الدعوة إلى اعتماد الدارجة بدل العربية، لا يطرح إلا في بداية المسيرة الثقافية لشعب معين، و كان اللبنانيون سباقون إلى طرح هذا المشكل في ثلاثينيات و أربعينيات القرن الماضي، و كان الشاعر الكبير سعيد عقل، من دعاة اعتماد اللبنانية لغة للكتابة و الإبداع، و لم يقف عند حدود الدعوة، بل انتقل إلى كتابة الشعر باللبنانية. ماذا حدث بعد ذلك بلبنان ؟ بعد ستين سنة، لم يعد اللبنانيون يطرحون هذا المشكل.

  • كيف تخلص اللبنانيون من هذا المشكل ؟ نطرح هذا السؤال حتى يستفيد الدعاة إلى اعتماد الدارجة المغربية لغة للتدريس و الكتابة من التجربة اللبنانية و الحل الذي انتهت إليه.

أقول لك إن اللبنانيين تخلصوا من مشكل الدارجة و العربية لأن مستوى اللغتين تقارب، و لم يعد هناك من يتحدث بلغة العلماء أو يكتب بها، لا في الجامعة و لا في الصحافة المكتوبة و لا في وسائل الإعلام السمعي و البصري، و لأن البنات و النساء تعلمن في المدارس و صرن يتحدثن إلى أبنائهن بلغة راقية، بحيث كل جيل يساهم في اقتراب لغة الدار من لغة الصحافة، و خاص الصحافة اليومية و التلفزيون اللذين تلتقي فيهما اللغة الدارجة و العربية و يقتربان من بعضهما البعض. التجربة نفسها، مر منها المصريون فما نسميه اللهجة المصري فهي في حقيقتها لهجة قاهرية، و ليست لها أي علاقة باللهجات الأخرى التي يتحدث بها باقي المصريين في المناطق الأخرى في مصر. انتقل في السياق نفسه إلى اللغة التي يتحدث بها البغداديون، لأقول هي لغة العاصمة العراقية و ليست لها أي علاقة باللغة التي تستعملها كل منطقة من مناطق العراق خارج بغداد. أقول هذا من باب التمهيد إلى الإجابة عن السؤال، و أنتقل مباشرة إلى الموضوع الذي يهمني. يقول الدعاة إلى اعتماد الدارجة المغربية إنهم يحتاجون إلى مائة عام لبناء اللغة التي يتحدث بها المغاربة حتى تصير لغة مخدومة و قادرة على أن تصير لغة للتدريس و الكتابة، أقول لك، امنحني هذه المائة عام حتى أبني اللغة المعربة و أخدمها، و ستصير هي اللغة التي يتحدث بها أي مغربي في البيت و الشارع، و ستصير هي لغة الحديث اليومي و لغة التدريس و الكتابة.

  • ألا ترون أنها مهمة مستحيلة التحقق ؟

امنحني مائة عام و تسلح بالنفس الطويل، و سترى النتيجة بالملموس. الدعاة إلى اعتماد الدارجة يطلبون مائة سنة ليبنوا الدارجة حتى تصير لغة الحديث اليومي و لغة التدريس و كتابة نصوص يمكن أن يفوز نص منها بجائزة نوبل للآداب، إذن فليمنحوا هذه المدة الزمنية لبناء اللغة المعربة و خدمتها، ليروا النتيجة دون إحداث قطيعة ثقافية مع إرث الثقافة العربية و ما تزخر به من كنوز، لا يمكن للدارجة أن تعوضها. مائة عام مدة كافية لحدوث التراكم الكافي لتطور العربية و ملء الشرخ بينها و بين الدارجة.

  • إذا سمحتم، لنرفع اللبس الذي يظهر أنه ما زال يحكم دردشتنا، ليس هناك طرف ينادي بإقصاء العربية، و إنما المطلوب هو خدمة اللغة الوطنية التي هي المغربية حتى يقع التعاون بينها و بين ما تسمونه اللغة المعربة، في أفق حل المعضلة اللغوية بالمغرب.

الذين ينادون باعتماد الدارجة، هل يخدمون هذه اللغة ؟

  • قضية اللغة الوطنية، لا علاقة لها بالأفراد، و إنما هي مشروع حضاري و قضية دولة، الدولة المغربية و هي تسعى إلى تأسيس لغتها الوطنية باعتبارها شرطا من شروط اكتمال بناء الدولة الوطنية.

يظهر أنك لم تستوعب ما قلته منذ البداية. هل لديك أو لدى الدعاة إلى اعتماد الدارجة لغة وطنية، قناعة أن هذه القضية تستحق أن تتفرغ الدولة للاهتمام بها و جعلها من أوليات اهتمامها لأنها شرط من شروط بنائها و اكتمالها؟ ! قبل أي شروع في الإجابة عن هذا السؤال، هل تضمن نتيجة هذه المغامرة غير محسوبة العواقب ؟

  • ستصير لنا نحن المغاربة، لغة وطنية خاصة بنا، تميزنا عن شعوب المنطقة.

يظهر أنك لم تسايرني في ما ذهبت إليه منذ انطلاق الحوار. لغتك تظهر أنك يا سيدي، لم تستوعب أنني أتفق معك مائة في المائة، و لكن عليك أن تستشرف النتيجة من هذه اللحظة، لأن وضعك سيكون في جميع الأحوال كوضع هولندا التي استقلت بلغتها عن إسبانيا و اللغة الإسبانية، من سيهتم بك و بلغتك المغربية في دنيا اللغات ؟!

  • ستظل العربية الفصحى لغة معتمدة لضمان ما تسمونه التربية الثقافية حتى لا تقع القطيعة مع الإرث الأدبي العربي.

لنفرض ذلك، و أن العربية استمرت إلى جانب اللغة الدارجة، يقول المثل ما معناه أن قلبين لا يمكن لهما أن يوجدا في صدر واحد. كنت سأتفق معك لو ذهبت في قولك إلى أننا سنبني اللغة الدارجة و سنعدم العربية و نعوضها باللغة الفرنسية أو الإنجليزية، أما أن تعتمد اللغة الدارجة و تحتفظ بالعربية إلى جانب بالعربية إلى جانبها فكأنك تحتفظ بالأم إلى جانب ابنتها لتضمن الأصل و الإرث و كذا الامتداد. أسألك هنا، هل تضمن الحفاظ على ضمان اتفاق البنت و أمها بعد انفصال الأولى و الثانية و استقلالها بذاتها و حياتها و مستقبلها ؟ ! نعيش في الحياة اليومية و العادية، وقائع المخاصمات المستمرة بين البنت بحياتها بعيدا عن الأم. هذا ما سيقع إذا ما انفصلت الدارجة عن العربية و صارت لغة مستقلة بذاتها، إذ لا يمكن لهما أن يستمرا في تصالحهما و تساكنهما كما هو الحال الآن، فإما أن تهيمن الدارجة على العربية، و إما أن تستمر العربية في فرض وصايتها على الدارجة و تسيطر على ابنتها و تتحكم في حاضرها و مستقبلها.

  • يمكن للفصحى المحصورة في فعل القراءة و الكتابة فقط، أن تسيطر على المغربية الحية و المتطورة دائما ؟!

أولا، أنا لا أتحدث عن العربية الفصحى و إنما عن العربية المعربة. اللغة العربية الفصحى هي اللغة المكتوبة في كتاب واحد، لا يقرؤه الكثيرون و لا يستعمله أحد، و هذا الكتاب هو “مقامات الحريري”. هذا الكتاب هو وحده يمثل اللغة الفصحى. القرآن ليس لغة فصحى لأن لغته في متناول الجميع، و لا يحتاج إلى القواميس و المعاجم لفهم لغته.

  • كيف تحقق الفصحى في مقامات الحريري دون سائر المؤلفات التي كتبت بالعربية ؟

سأوضح لك كيف تحققت الفصحى في مقامات الحريري. كان هدف الحريري من تأليف مقاماته، هو تعليم قارئه المفردات الخاصة كي تنجح في التأليف و كتابة الشعر و غيره، و لم يكن هدفه من المقامات الكتابة الفنية. كان هدفه لغويا صرفا، على العكس تماما من الهمذاني الذي كان هدفه فنيا لأنه كتب مقاماته لغاية فنية لا دخل للتعليم فيها.

  • على العكس، مقامات الحريري ناضجة فنيا مقارنة بمقامات الهمذاني.

غير صحيح. مقامات الحريري مكتوبة بكلمات غير مفهومة و متروكة و لا يستعملها أي متكلم في لغته. جرب أن تقرأ مقامات الحريري، و اختبر مدى قدرته على استعمال المفردات التي كتبها بها في ما ستكتبه و توجهه إلى القراء ليقرؤوه و يفهموه دون حاجة إلى القواميس و المعاجم.

  • قلتم إن القرآن نفسه ليس عربية فصحى، كيف ؟!

بدليل أن القرآن يتضمن كلمات كثيرة ليست عربية فصيحة. لن أدخل هنا في التفاصيل التي تحتاج إلى دراسة مستقلة عما نحن في غمار الخوض فيه، لكنني سأكتفي بالقول إن لغة القرآن تتضمن كلمات كثيرة ليست فصيحة، كلمات خاصة به. أريد في هذه النقطة بالذات الوقوف عند مسألة إعجاز القرآن، لأقول إن إعجازه يتحقق في كون لغته لا تشبه أي لغة عربية أخرى. هنا أشير بالمناسبة إلى كون ما أطلق عليه القدامى العربية الفصيحة، لا يعدون أن يكون لغة البدو التي لم تخالطها لغة الحضر أو المدينة، و لا أعتقد أن الفصيح له علاقة بالتمجيد، على العكس تماما، ففي القرن الثاني و الثالث الهجري صارت لغة البدو تعتبر لغة “الهمج”.

هذا الكلام ينافي كون رواة اللغة العربية و علمائها كانوا يقطعون الفيافي و الأراضي القفار ليتصلوا بالبدو و يسمعوا منهم مباشرة و دون وسائط، العربية الحقيقة و النقية من فساد عربية سكان المدن التي أصابها النحل أو آفة التطور و الاستعمال اليومي، و أظن أننا لم نبتعد عن موضوعنا لأن ذلك النحل هو أصل العربية الأخرى التي صارت دارجة أو عامية مقارنة بالعربية الفصحى.

قضية تأسيس العربية الفصحى كما وصلتنا لها علاقة بالسياسة، لأن الحكام كانوا عربا و خضعوا لمدة قصيرة، لنوع من الابتزاز من طرف العرب الأقحاح الذين كانوا يطالبون بنصيبهم من موقع كون الدين الإسلامي دينهم و اللغة العربية لغتهم، و أنهم هم من أوصلوا الأمويين إلى سدة الحكم، و على الحاكمين أن يخضعوا لمطالب الذين أوصلوهم إلى سدة الحكم. أظن أن لا غرض لنا بالدخول في هذه التفاصيل و الحيثيات التي لن تفيدنا في موضوعنا الذي نحن بصدد دراسته.

  • لنترك هذا الموضوع الشائك لمؤرخي اللغة العربية و أسباب مشاكلها، و لنعد إلى توصية ندوة “سبيل النجاح” التي دعا فيها رجل التواصل، نور الدين عيوش، إلى اعتماد الدارجة المغربية لغة للتدريس في المدرسة المغربية.

طيب، أعود إلى موضوع حوارنا لأقول إن الذين خاضوا في موضوع العربية و الدارجة، سقطوا في الخلط بين شقين اثنين. هناك الشق التقني التربوي، و أقول في هذا الشق إن ما يطلب به الدعاة إلى اعتماد اللغة الدارجة لغة للتدريس و الكتابة، هو الحد الأدنى، و هذا الحد موجود و متحقق، و حتى إن لم يكن موجودا فعلينا أن نعمل على إيجاد و تحقيقه على أرض الواقع.

  • ما هو هذا الحد الأدنى الذي تتحدثون عنه الآن على مستوى اعتماد التدريس بالدارجة المغربية في المدرسة المغربية عوض العربية ؟

هذا الحد الأدنى هو ما يدعو إليه الراغبون في اعتماد اللغة الدارجة لغة للتدريس و الكتابة، و يحددون مجاله في مسألة ضمان حدوث التواصل، و ضمان سبيل نجاح الطفل لما يلتحق بالمدرسة، في تحقيق الفهم و الاستيعاب بلغته الأم. لمزيد من التوضيح فالحد الأدنى الذي يطالب به الدعاة إلى اعتماد الدارجة في التدريس، يتمثل حسب ما يدعون إليه، في التحدث إلى الطفل بلغته الأم التي تربى على التحدث بها و اكتسب مهارات فهمها و استيعاب معانيها، في مرحلة روض الأطفال و السنوات الثلاث الأولى من التعليم الابتدائي. هذا المستوى الذي هو الحد الأدنى لما يطالبون به، إما هو موجود و متحقق عمليا في تدريس الطفل لما يلتحق بالمدرسة، و لا يحتاج إلى تلك الدعوة التي لا محل لها مما هو عليه الأمر الواقع في العملية التعليمية بالمدرسة المغربية، و إما أنه غير موجود و علينا العمل على إيجاده و تحقيقه بالملموس حتى نجد حلا لهذا المشكل، و نضع نقطة نهاية لدعوة اعتماد الدارجة التي لا تحمد عواقبها على مستوى قطع صلة المغربي بإرثه الثقافي العربي و إنجازاته التي لا يمكن للدارجة أن تعوضه و تحل محله.

  • بالتالي أين يكمن المشكل ؟ و لماذا خرجتم من مقبعكم لتعارضوا الدعوة إلى اعتماد الدارجة المغربية لغة للتدريس ؟

المشكل يا سيدي، يتمثل في المستويات التي ستلي السنوات الأولى من التعليم الابتدائي، لأن الدعاة إلى اعتماد الدارجة لغة للتدريس، لا يستوعبون أنهم سيدخلون الطفل في متاهات لا قدرة له على العثور على سبيل النجاح في الخروج منها سالما و غانما. أوضح أكثر، سيورط أصحاب هذه الدعوة الطفل في متاهات أننا نريد اعتماد الدارجة لأنها لغة التواصل و الفهم السريع، و أننا لا نحارب الفصحى، و إنما نسعى إلى أن نخدم اللغة التي يتواصل بها المغاربة، و نعمل على أن تكون لغتنا الوطنية الخاصة بنا، و سننتج بها أدبا خاصا بنا و يميزنا عنا سوانا من شعوب الجوار الذين كانت تجمعنا بهم لغة لم تعد قادرة على ضمان التواصل و الغاية المتوخاة منه. هذا لن يتحقق إلا في المستقبل المستحيل. تعدني بمستقل لغوي وردي، بينه و بين التحقق على أرض الواقع، ما بين الأرض و القمر. لهذه الأسباب التي ذكرتها فأنا واقعي على هذا المستوى، و لم يسبق لي أن وصل إلى علمي، نجاح تجربة من التجارب التي دعت إلى التخلص من لغة قائمة الذات، و تبني لغة محلية ما زالت مادة في حكم الخام، و تحتاج إلى البناء و تحقيق التراكمات التاريخية حتى تقف على قدميها، و تنافس اللغة التي تسعى إلى إزاحتها.

إقرأ أيضا:

الجزء الأول – عبد الله العروي: التدريس بالدارجة يروم تقويض الوحدة الوطنية

الجزء الثاني – عبد الله العروي: الثقافة ليست قضية سياسية أو اقتصادية عابرة

الحزء الأخير – عبد الله العروي: مشكلنا هو مشكل تأخر فكري



المصدر : https://alazmina.com/2014/05/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d...

نقط هذا المقال

قصاصات |  أدوات | كتـب | كتاب | ناشرون | راصـد | نصوص