- الاربعاء 9 أكتوبر 2019

"عزلة صاخبة جداً" لبوهوميل هرابال: البطولة في نهايتها





 

يقدم الكاتب التشيكي بوهوميل هرابال (1913 - 1997)، في روايتهِ "عزلة صاخبة جدًا" (منشورات المتوسط 2017)، نموذجًا لأدب ينطوي فيهِ المصير الشخصي على مصير عام. فالرواية التي ترجمها إلى العربية منير عليمي، بلغة موحية، مكثفة، لنص مكتوب بالحد الأدنى من الكلمات، نصٍ مكتفٍ من اللغة بالإشارات، ومن الحدث بالدلالة، تروي حكاية عامل على آلة لإتلاف الكتب، تمثل حياته عرضًا لزمانهِ، وتعكس عزلتهُ الصاخبة جدًا، عزلة إنسانية عامة. يقدم النص بشرًا وحيدين، يصعب التمييز بين لحظات تحررهم وبين لحظات هزيمتهم.

يعمل هانتا لمدة خمسة وثلاثين عامًا في قبو مع آلته الهيدروليكية، يعتبر نفسهُ جزارًا، ويزعم أنّ الكتب علمته "نشوة التدمير"، في حين أن ما أبقاه منسجمًا مع نفسهِ ومع العالم، هو عدم القدرة على التمييز بين الأفكار التي يبتكرها بنفسهِ أو تلك التي تأتيه من الكتب. يشرب الكحول من أجل احتمال عملهِ، ويقرأ إما للمتعة أو ليخلد إلى النوم. يفكر بانتظار تقاعده بعد خمس سنوات بجلب الآلة إلى حديقة منزلهِ، حيث سيضغط الورود مع كتب منتقاة، ليرى من يزوره "كل تلك الأشياء التي رفض الناس اقتناءها". لكن لا تقتصر الحكاية على فلسفة التدمير هذهِ أو ما يسميه هرابال "جمالية التدمير"، وإنّما يكتشف القارئ في هانتا مهووسًا من نوعٍ خاص، حيث عمل في الفترة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية على إنقاذ الكتب الهامة من حملات إتلاف المكتبة الروسية الملكية، وعدد من مكتبات القصور في براغ، مكان إقامته. ويذكره إحراق جسد والدته المتوفاة بمشهد القطارات التي حملت أروع المكتبات إلى سويسرا والنمسا مقابل كرون واحد للكيلوغرام من الورق، فراح يسمع تهشم عظام وجماجم داخل آلته، وينتبه إلى اشتراكه مع الفئران في حبّ الأغلفة، يؤنسه صوت قضمها، ويعتقد أنّ لذة الورق تكمن في قدمهِ، كما لو أنّه خمر معتّق. يجد هانتا حياته "محاطة بهذه الفئران"، يحدث وهو يخرج محفظة نقودهِ أن تخرج الفئران من جيوبهِ. يقارن نفسه وهو في المنزل محاطًا بأكوام كبيرة من الكتب بالفئران في القبو، ويخشى الموت دهسًا تحت الكتب التي كان قد أنقذها أسوة بسحقهِ مئات الفئران في آلته. وهو في حال من الإهمال، الهواء النظيف يجعله يختنق، ولا يحب الاستحمام، يذكر مانسا الفتاة التي أحبها وهو شاب، وقد دفعها اعترافه لها بالحب إلى عدم الانتباه لكرسي المرحاض ولترقص وسط الحشود والبراز يتطاير من أشرطة فستانها، وبعد سنوات تسير بين الناس فتاةً جامحةً، لكن الروث علق بمزلاجها. لقد شعر هانتا بأنّه "ملام في جميع الأشياء التي تحدث"، لا سيما في ما يخص مانسا، يعرف الحب لفتاة غجرية تأتي إلى مناماتهِ، ويردد خلال الصفحات عبارة تبدو أساسًا في تفكيرهِ، يذكر أنّ "الجنة ليست إنسانية" ويتفهم وفقًا لهذا المنطق، جلّ القسوة التي تظهر في الأحداث والتي يكتفي بالإشارة إليها، مثل سقوط الغجرية في قبضة الغستابو، وكان قد سحق أطنانًا من الأدب النازي بمتعة كبيرة. بسحقه الرجال والنساء الألمان السعداء في آدابهم كان يعزز صورة الغجرية والتي يختصرها بجمال بسيط وروحٍ حرة.

تظهر أعمق الشروخ لدى هانتا لا في علاقاتهِ الغرامية وإنمّا في علاقته مع آلتهِ والتي أمضى عمره وهو محكوم بفكرة أن لا طريق آخر له في الحياة سوى العمل خلفها، لقد عرف العالم من خلال كتب نيتشه، ولم يحظ بيوم عطلة واحد. عندما يذهب لرؤية الآلة الجديدة، يصاب بصدمة حقيقية، لا من طريقة العمل مع الكتب وحسب، وإنّما من العمال الذين يشربون الحليب، يضحكون ويعملون بأيادٍ نظيفة. لقد بدا لهانتا أنّ زمانًا جديدًا قد بدأ، وأسف لخسارته نفسهِ، يفكر مغتبطًا بمانسا التي وصلت للشموخ الذي أرادته عبر منح جسدها للآخرين. تبلغ الخيبة ذروتها بعد يومين من رؤيتهِ آلة السحق الجديدة، إذ يفصل من عملهِ، ويحل محله شابان يشربان الحليب، يرثي هانتا حاله "أنا الذي الذي لا يستطيع العيش دون فكرة أن أنقذ الكتب الجميلة من الفضلات الكريهة"، ثم يترك هرابال القارئ لمشاهد متتالية للآلة التي تستجيب للعمال الجدد، كأنّها تسخر من رفيق دربها، أو تريد إخباره بأنّ "القوة توجد في أكف الحزب الاجتماعي فحسب". تبلغ الرواية ذروتها وهانتا يقف أمام آلته لا يقوى على الحركة "لشدة العار" وأصوات الآلة تنبئهُ بوصول البطولة إلى نهايتها.

في المقهى وهانتا يشرب البيرة، يراقب الحياة التي عبرت وتعبر أمام ناظريه، مرتدًا إلى ذاتهِ، يدرك بعد خمسة وثلاثين عامًا من العمل مع آلة سحق الكتب أنّ عقله بات "آلة هيدروليكية تسحق الفكرة"، لكنه في سردهِ ما كان يسحق الأفكار بقدر ما يستوعبها، ثم يجد ارتدادها في سلوكهِ، نراه يستند إلى مقولة شوبنهاور "الحب هو القانون الأعلى، الحب هو الشفقة"، كي يخبرنا أنّه بفقدانهِ الغجرية إلونكا كان يفقد الحب والشفقة، ويعبر الحقائق العامة إلى حقيقتهِ الخالصة، عزلتهِ وفقدانهِ إلونكا الغجرية.

* كاتب سوري 



المصدر : https://www.alaraby.co.uk/diffah/books/2017/11/10/...