- الاربعاء 30 أكتوبر 2019

لغة الموسيقى: مقدمة في سيميائيات الموسيقى – فادي حنّا





تمهيد

تتقاسم الموسيقى مع اللغة عديدًا من الأمور المشتركة، وكذلك بينهما العديد من الفوارق. وارتباط الموسيقى باللغة يعود بنا إلى قضية نشأة كل منهما. ولمّا كانت اللغة[1] مرتبطة بالإنسان منذ ظهوره، فإن قضية النشأة تلك تعود بنا إلى حقب ما قبل التاريخ. على ما يتضمنه ذلك من صعوبات أركيولوجية ومعرفية. كما أن العلاقة بين اللغة والموسيقى تطلعنا أيضًا على الطريقة التي تطور بها فن الموسيقى واستقل عن اللغة وعن كافة أشكال الفنون الأخرى، وأصبح فنًا مستقلًا بذاته، وهذه قضية يغفلها المستمع في بداية استماعه موسيقى الآلات (الموسيقى الخالصة أو الكلاسيكية) أي تاريخ هذا الفن ونشأته، والإلمام بالسياق التاريخي الذي تطورت فيه الموسيقى بوصفها فنًّا مستقلًا للصوت. وتطلعنا المقاربة اللسانية للموسيقى على الجوانب الثلاثة الرئيسية في اللسانيات اليوم كما تتبدى في الموسيقى: الصوت الموسيقيّ، والتركيب الموسيقيّ، والدلالة الموسيقيّة.

1- نشأة الموسيقى

إن بحوث الإثنوموسيقولوجيا Ethnomusicology[2] الذي يطوّع الأدوات الأنثروبولوجية لكي يعود بنا إلى نشأة الموسيقى بوصفها نشاط إنساني لدى الجماعات البدائية تخبرنا بأن نشأة هذا النشاط كان يعتمد أساسًا على الإيقاع. وهكذا، كانت أسرة الآلات الإيقاعية هي أول الآلات الموسيقية التي اصطنعها البدائيّ. وكانت الموسيقى عند البدائي تعتمد التكرار بصفة أساسية، أي تكرار صوت أو نغمة واحدة أو نغمتان بشكل دوري. وهكذا تأسست اللغة بالأساس؛ تكرار صوت واحد للدلالة على نفس المرجع. وهذه سمة أساسية للموسيقى عند الجماعات البدائية. كما أنها حقيقة نخبرها جميعًا لدى الأطفال في سن مبكر جدًا، إذ أن الطفل في بداية مراحل حياته يبدي تعلقًا فريدًا شطر الأصوات البسيطة المتكررة. كما يعتمد غناء الأم لتهدئة رضيعها على نغمة واحدة أو نغمتين. ولهذا تفسر الفونولوجيا[3] مثلا السهولة، والسرعة، التي يكتسب بها الطفل الكلمة التي تطلقها اللغة اسمًا لـ”الأم”. وإن تشابه نطق هذا اللفظ في لغات العالم القديمة والحديثة، الميتة والحية، لهي ظاهرة طريفة للغاية؛ ذلك أن كلمة “أم” تتكون من فونيمين[4] أو صوتين فقط: “ما-ما”، أو ما يشبهها، كما في اللغات الرومانسية، والجرمانية، والسلافية، والعبرية، والصينية، واليابانية، وغيرها. كلها تتشابه في المقطع الصوتي “ما” للدلالة على الأم. كما يمكن تفسير ذلك من جهة علم نفس الأصوات بأن المقطع الصوتي “ما” يُنطق مع فتح الفم كعلامة يوحي بها الطفل للمُؤوِل (الأم في هذه الحال) بالحاجة إلى الطعام والرعاية.

وبغض النظر عن هذه العملية التأويلية المعقدة، التي قد تبدو بسيطة لأول وهلة، والأساليب التي يبذلها المؤوِل أو الأم في فهم دلالات هذا النداء، كما الصعوبات الجمّة المصاحبة للتقريرات التي تبتّ هذا الموضوع، أي التقريرات حول نشأة الأنشطة الإنسانية في حقب ما قبل التاريخ. والتي قد يدّعي بعضها العلمية، فهذا أمر لا يعنينا هنا، ولكن ما يعنينا منه هو التشديد على أن اللغة كنظام علامات مسموعة والموسيقى يتقاطعان في علم الأصوات. وأن بساطة النغم والصوت وتكراريته (أي خاصته التكرارية، في حال إذا كان يتميز بها) هي طريقة تُعد بدائية في الموسيقى. ذلك لا ينفي وجود تكرار أيضًا في فن موسيقى الآلات المتطور، كما في الكلاسيكية الغربية، لكن المستمع لهذه الموسيقى على دراية بأن عنصر التكرار بها عادةً ما يتخذ طابعًا إنمائيًا مختلفًا.

ترتبط الموسيقى عند البدائيين كذلك أكثر بالغناء والرقص. وتٌستعمل في بعض لغات القبائل الأفريقية على سبيل المثال كلمة واحدة للإشارة إلى كل من الموسيقى والغناء والرقص. كذلك تقترن الموسيقى لدى الجماعات البدائية بالاستعمال الوظيفيّ للصوت من أجل أداء غرض ما (هذا ما تفعله اللغة بالضبط في المستوى التداوليّ) كما الإيحاء بحاجة فيسيولوجية، كالبحث عن الطعام مثلًا، أو كما في الإشارات البسيطة التي قد يتطلبها أدنى شكل من أشكال التواصل الاجتماعي البدائي. وهذه كلها أمور بعيدةً عن الفنِ كل البُعد.

إنّ عدم اقتران الموسيقى بأداء وظيفة معينة هو محكّ اعتبارها فنًا له ما له من قيمة جمالية. ومن الواضح أن طلب الطعام أو التعبير عن الحاجة إليه ليس فنًا على الإطلاق، على الأقل ليس بالطريقة التي يَفهم بها معظمنا إعداده وطهيّه مثلًا. كما من الواضح أيضًا أن خطابنا اليوميّ العاديّ لا يمثل فنًا بأي حال. وأن الحديث عن فنّ التواصل وما إلى ذلك لهيَ جميعها استخدامات استعارية للفظة “فنّ”. بينما يمكن للسانيّ، على صعيدٍ مختلف أتم الاختلاف، الحديث عمّا يسميه تشومسكي الجانب الإبداعيّ في استعمال اللغة ومقارنته بحذر بالإبداع الجماليّ مثلًا، ذلك استنادًا إلى لا نهائية اللغة بوصفها وسيلة للتعبير الذاتي الحر.

والفارق الأساسي بين اللغة والموسيقى بما هي أصوات أن اللغة عادةً ما تُستعمل عدة استعمالات، فهي وسيلة للتواصل، ومستودعٌ خبريٌ لكل ما يمكننا إصداره من تقريراتٍ بشأن الواقع. كما أن للغة جانب جماليّ أيضًا -كما يتبدى في الأدب- أما الموسيقى تتمثل الجانب الجماليّ وحده. وإن كان هذا الجانب الجماليّ في الموسيقى مختلفًا عن نظيره الجماليّ اللغويّ، كما سنتعرف، تمام الاختلاف.

2- الموسيقى واللغة

في الغالب، كان ينظر إلى العلاقة المفترضة التي تجمع الموسيقى باللغة استنادًا إلى جانبٍ واضحٍ كل الوضوح في علاقة الموسيقى باللغة: أن الموسيقى واللغة ظاهرتان صوتيتان. ويؤكد المؤرخ والجغرافيّ اليونانيّ سترابون (حوالي 63 ق.م) على أن الكلام والغناء كانا الشيء نفسه في الأزمنة القديمة. ولمّا لم يكن في البدء من موسيقى إلا النغم، ولا من النغم غير ما يحدثه الكلام من تنوع الصوت، كانت الموسيقى واللغة مرتبطتين بشكل وثيق.

إن هذا الارتباط الوثيق يؤسس مشروعية افتراض سبق أن تأمله كثير من الفلاسفة، صاغه داروين منذ قرنين في كتابه “نشأة الإنسان”، كما يردده اليوم الباحثون في ثنايا بحوث البايوموسيقولوجيا التطوريّة: مفاده أن الموسيقى واللغة كانا في الماضي السحيق الأمر نفسه. وأنهما قد تطورا عن سلف مشترك: “لغة-موسيقية musilanguage”. وقد أخذت الموسيقى واللغة في الانفصال والتطور عن هذا السلف اللغويّ-الموسيقيّ كل واحدة بطريقٍ مختلفٍ تمامًا.

إن هذه اللغة-الموسيقية التي تعد شكل بدائي من الأصوات والإيماءات التواصلية والتعبيرية في شكل ما قبل موسيقيّ-ما قبل لغويّ لهي أقرب إلى الطريقة التي نتواصل بها مع الأطفال الرضع أو القردة العليا. وأن هذه الإيماءات أو الأصوات البدائية، بعد تاريخ طويل من الانفصال بين النَظْم النغميّ في الموسيقى، والنَظْم الكلاميّ في اللغة المنطوقة، أصبحت تكوّن اليوم أساس كل ما نعرفه من لغات وموسيقى.

ولكن ما هي الحاجة البيولوجية أو السمة التكيفية لوجود مثل هذه اللغة البدائية؟ هنا تظهر عدة أجوبة: يخبرنا داروين أن السمة التكيفية للموسيقى، أو اللغة-الموسيقية كانت بداعي التعبير عن العواطف والتزاوج والانتخاب الطبيعي، واجتذاب الكائنات جنسيًا بعضها لبعض. وربما تكون قد تطورت من أجل تدعيم الرابطة الاجتماعية لجماعة ما. أو في حال التعبير عن العواطف، ذلك أن التعبير عن العواطف بالصوت، سواء في اللغة أو الموسيقى، يكون عبر سلسلة من الأصوات التي تكون إما مرتفعة أو منخفضة، وإما متسارعة أو متباطئة، ولكل منها إيحاء خاص. كما في حالات الصراخ والبكاء والضحك. ذلك بغية التعبير عن المشاعر كالحب والكره والغضب. هكذا، كانت اللغة عاطفية قبل أن تغدو منطقية.

يُعيد الشعر استثارة هذا السلف التطوريّ المشترك الموروث بين اللغة والموسيقى. فالشعر هو الجانب الموسيقيّ الأجلى من اللغة. ولا عجب في أن أقدم النصوص الأسطورية والدينية كانت شعرية، حيث كان يمكن ترتيلها والتغني بها.

إن الفن، بحسب أدورنو، يتحقق نوعيًا في انفصاله عما كان قد صُدر عنه. ولقد انبثقت موسيقى الآلات من الغناء، وكان الغرض من الآلات مساعدة الصوت البشري، وهي بذلك ظلت مرتبطةً بالغناء أمدًا طويلًا. ذلك حتى بدأت الموسيقى في الاستقلال شيئًا فشيئًا، وأصبحت فنًا مستقلًا عن اللغة يستعمل النغم الخالص بدون كلمات وسيلة للتعبير. أي أن تاريخ الموسيقى كان يتجه شطر الانفصال عن الكلمة، وتوسيع نطاق القدرة التعبيرية لموسيقى الآلات. ومع ذلك ظلّت الموسيقى قادرة على الارتباط بالكلمة وقتما شاءت، وأن حضور الأغنية طوال عصور الموسيقى في جميع الثقافات أوضح دليل على ذلك.

وبرغم ذلك، ظلّ ينظر إلى الموسيقى بوصفها فنًا تابعًا للشعر. وقد كان هيجل في العصور الحديثة أبرز من رفع من مكانة الشعر على حساب الموسيقى وكافة الفنون في نظريته الجمالية وعن تاريخ الفنون. وقد حاول بعد ذلك كراوس ردّ مكانة الموسيقى ومحاولة مساواتها، على الأقل، بالشعر في المرتبة ذاتها، استنادًا إلى أن كلاهما يعبر عن حقيقة واحدة. ويعد شوبنهاور بحق أول من رفع من مكانة الموسيقى، وهو الذي رأى بحسب ميتافيزيقاه أن الموسيقى هي تمثيل للعالم من حيث هو إرادة.

هذا التطور في الطريقة التي نظر بها الفلاسفة إلى الموسيقى كان يصاحبه تطورٌ هائل في فن موسيقى الآلات، حيث حاول الموسيقيون طيلة الوقت على اختلاف عصورهم ومدارسهم اكتشاف وسائل مختلفة للتعبير الموسيقي. وقد كان تطور الآلات الموسيقية من الناحية التقنية، لا سيما عقب الثورة الصناعية، عاملًا حاسمًا في هذا التطور.

أما اليوم، يتأرجح الباحثون في اللسانيات وسيمياء الموسيقى بين فرضيتين أساسيتين. تكون كل منها بمثابة نقطة انطلاق لتأسيس نظرية لسانية َموسيقية: تفيد الفرضية الأولى أن المقاربة اللغويّة الموسيقيّة تتيح لنا الكشف عن الجوانب الثلاث الأساسية للسانيات في الموسيقى (وهي جوانب لغويّة في الأساس): الصوت Phonology والتركيب Syntax والدلالة Semantic. وتفيد الفرضية الثانية أن لا وجود لمثل هذه الجوانب تمامًا في الموسيقى، كما هي بمعناها اللسانيّ-اللغويّ، وأن ما نجده في الموسيقى أمر يختلف تمامًا، بحيث يمكن تعريفه في إطار جهاز مفاهيميّ آخر، ويمكن كذلك مقاربته بحذر، وعلى سبيل استعاريّ، مِع نظيره اللغويّ. وفي ظل قيام الفرضية الأخيرة، حتى مع ثبوت فرضية وجود سلف مشترك بين الموسيقى واللغة، تضحى اللغة والموسيقى، رغم ذلك، لكل منها نظامه النحويّ الخاص.

3- لغة الموسيقى

إن الفنَّ لغة بصفة عامة. لكن الحديث عن لغة الموسيقى في هذا الصدد يختلف عن الحديث عن لغة أي فن من الفنون. يختلف عن الحديث عن لغة العمارة أو لغة التصوير على سبيل المثال. ذلك أن الموسيقى، كما رأينا، أقرب الفنون جميعها إلى اللغة. إن الموسيقى فن الصوت، واللغة ظاهرة صوتية في المقام الأول. كما أن للغة خصائص الشكل، فهي لها قواعدها التركيبية والنحوية. والأكثر أهمية أن اللغة قادرة على إيصال المعنى. هل الحديث عن الموسيقى كلغة، انطلاقًا من أن كلاهما نظام علامات صوتيّة، يعني أن الموسيقى لها ما للغة من خصائص شكلية تركيبية كالنحو؟ وهذا يدفعنا إلى السؤال الأهم: هل للموسيقى معنى؟ فإذا كان كذلك، فما هو، هل عسانا أن نعرفه؟ وكيف تتسنى للموسيقى القدرة على حمل معنى ما؟ ثم ما طبيعة هذا المعنى؟ هل هو ذاتيّ، أم يمكن الحديث عن معانٍ موضوعية في الموسيقى؟

قلنا إن اللغة والموسيقى يشتركان في عديد من الأمور، ولكن بينهما أيضًا عديد من الفوارق. والمقاربة اللسانيّة للموسيقى تتيح لنا الكشف بداخلها، كما أردفنا، عن الجوانب الثلاث الرئيسية في اللسانيات، واستجلاء علاقاتها بنظائرها في اللغة.

الصوت الموسيقيّ[5]

تنتظم الأصوات في الموسيقى لتكوّن تسلسلًا زمنيًّا معينًا. مثلما تنتظم الوحدات الصوتية (الفونيمات – أو ما يسميه اللسانيون بالصور الأكوستيكية) كمقاطع الحروف الهجائية، لتكوّن اللفظ. هذه الأصوات المفردة ليس لها معنى في ذاتها، في حين أن الكلمة تكتسب معنى. أي أن الكلمات، وهي الوحدات ذات الدلالة، تبنى من لبنات (عناصر صوتية) تخلو من الدلالة. وهذا ما يسمى بالمبدأ الفونيميّ في اللسانيات البنيوية الكلاسيكية.

وبينما تنتظم الأصوات بطريقة معينة لتكوّن مقطعًا لفظيًا أو كلمة، والكلمات لتكوّن جملة، والجمل لتكوّن فقرة… إلخ، نحو مستويات أعلى من التركيب. نرى أن البناء الصوتيّ للموسيقى يختلف عن البناء الصوتيّ للغة. ففي الموسيقى تنتظم النغمات (النوتات) لتكوّن لحنًا، أو جملة لحنية، والجمل تكوّن قسم، والأقسام تكوّن حركة، والحركات (في الأشكال الموسيقية متعددة الحركات، كالسيمفونية أو الكونشرتو) تكوّن شكلًا موسيقيًّا.

في الصوت الموسيقيّ تتنوع المقامات حسب اختلاف الأنظمة التونالية. وبالتالي تتنوع الطرائق (السلالم الموسيقية) التي ترتبط بها هذه الأصوات بعضها ببعض لتكوّن الجملة الموسيقية أو اللحن. وهو فارق أساسي بين اللغة والموسيقى، إذ أن من البديهيّ أننا في حديثنا اليوميّ لا نستعمل السلالم والمقامات الموسيقية. كما أن الموسيقى تخلو من الفونيمات، إذا فهمنا الأخيرة على أنها أصغر وحدات صوتية في اللغة المنطوقة تدخل في تركيب المقاطع اللفظية. وهي بهذا المعنى خاصة صوتية تميز اللغة المنطوقة وحدها.

التركيب الموسيقيّ[6]

بينما يختص الفونولوجيا بالمستوى الصوتي، البناء الصوتيّ اللغويّ أو الموسيقيّ، ويقتصر مجاله على تحليل العناصر الصوتية لهذين النظامين، يعني التركيب syntax بمستوى أعلى، فهو يعني في اللغة بالنحو الذي تتراكب وتنتظم فيه الكلمات المفردة (التي تتألف في المستوى الصوتي من فونيمات) بعضها ببعض لتكوّن جملًا، وفقرات، ووحدات أكبر. هذا هو المستوى التركيبيّ. ويُفرِد التركيب تحليلاته لعناصر هذا المستوى، كمواقع الأسماء والصفات والأفعال من الجمل.  وفي ظل هذا التعريف للتركيب يرى بعض اللسانيون استحالة فصل التركيب عن مبحث المعنى أو الدلالة semantics بأي حال. ولكن يظل يحدث هذا الفصل إجرائيًا عادةً.

يشير التركيب الموسيقيّ إلى العملية التي تنتظم بها الأصوات/النغمات الموسيقية المفردة لتكوّن لحنًا أو جملة، أي تسلسل زمنيّ معين. هذه السمة الزمنية تخص الموسيقى أكثر مما تخص اللغة، ذلك أن في اللغة لا تكون “الوحدات الأكبر” التي هي نتاج تراكب عناصر كالكلمات زمنية بالضرورة. فالكلمات على نقيض النغم، تعكس تصورات (وهذا من ملامح صلة التركيب بالدلالة)، ولا شاهد حتى الآن على زمنية الأخيرة.

إن التركيب الموسيقيّ يشترك مع نظيره اللغويّ في وجود تراتبية رأسية لعناصره. ولنوضح مفهوم “التراتبية الرأسية” للمكونات/الوحدات الأولية الذي يعد أساس التشجير[7] في اللسانيات التوليدية، نضرب مثالًا على ذلك:

إن من الناس أقلهم دراية بمبادئ التركيب وقواعد اللغة العربية يعلم أن الفاعل هنا (من قام بفعل القطع) هو الرجل لا الابن. حتى وإذا كان الفعل والمفعول به مؤخرين في الجملة، أو إذا كانت جملة الفعلية “قَطَعَ الشجرة” تأتي مباشرة بعد ذكر “الابن”، فإذا كانت الكلمات متراصة بجانب بعضها إلا أن كل منها ينتمي إلى بنية تراتبية مختلفة. هذه الخصيصة التركيبية للغة تقوم بمعالجتها عمليات الإدراك المسؤولة عن البناء التراتبي لمكونات الجملة.
“الرجل الذي ضرب ابنه قطع الشجرة”

هذه المقدرة الإدراكية على التركيب والمعرفة الضمنية بمبادئه، أيّ “البناء التراتبي للأشياء” تتشاركها اللغة مع عديد من الأنشطة الإنسانية الأخرى التي تتضمن أفعال النَظم والتركيب والبناء، منها الموسيقى. لكن التركيب الموسيقيّ يختلف تمامًا عن التركيب اللغويّ وإن كانا يتشاركان نفس العمليات الإدراكية. إننا لا نجد في الموسيقى “أفعال” أو “حروف جر” أو “جملة اسمية” أو “جملة فعلية” موسيقية مثلًا، كما نجد في التركيب اللغويّ. وأن البحث عن المعادل لأي منها في اللغة الموسيقية أمر لا طائل منه. كما أنه من الواضح أن النحو أو التركيب الموسيقيّ لا يتعامل مع وحدات أو مقاطع لفظية كما في اللغة، وهذه من الفوارق الأساسية، بل أن التركيب الموسيقيّ يبحث مبادئ وطرائق تركيب النغم وفقًا لقواعد التركيب الهارمونيّ والتركيب الإيقاعيّ، والنغم كما أسلفنا هو الوحدات الأولية في الموسيقى. هذه الوحدات تختلف بحكم طبيعتها عن المقطع اللفظيّ في اللغة، ولكن من جهة ما فهي توازيه، كذلك المبادئ والطرائق التي ينتظم وفقًا لها ذلك النغم تختلف تمامًا عن قواعد النحو والتركيب في اللغة، وإن كانا يتشاركان العمليات الإدراكية نفسها وبعضًا من الأجزاء المسؤولة عن إجرائها في تركيب المخ عند الإنسان.

استبدّت في السبعينيات مسألة القدرة اللغوية للطفل والكيفية التي يخلق بها جملًا جديدة لم يسمعها من قبل بتطبيق عدد قليل نسبيًا من المبادئ على تفكير تشومسكي، مما كان يمثل أحد دوافعه لتأسيس اللسانيات التوليدية. إن هذه الظاهرة لدى الأطفال ليست حكرًا على التركيبات اللغوية وحسب، بل تظهر أيضًا عند الأطفال ممن يعيشون حياة موسيقية مبكرة، وبمجموعة قليلة أيضًا من المبادئ يمكنهم خلق عبارات موسيقية جديدة. ذلك أثار اهتمام تلامذة تشومسكي واستهلّ الحديث عن نحو توليدي خاص بالموسيقى. وهي نظرية مؤسَسة على الفرضية الثانية التي أوردناها في الفقرة الممهدة لهذه الفقرة.

الدلالة الموسيقيّة[8]

إننا مع الدلالة نصل إلى مستوى أعلى وأكثر تعقيدًا في موضوعه وإشكالاته من الصوت والتركيب. إن قضية الدلالة بصفة عامة، بما فيها دلالة العمل الموسيقيّ، قديمة قدم الفكر. كان أفلاطون على سبيل المثال يحرّم بعض المقامات لتأثيرها المفسد على المستمعين. وفي غضون القرن التاسع عشر في ألمانيا نشب جدال عقب موت بيتهوفن، فيما يعرف بـ”حرب الرومانسيين”[9]، وهي الفتنة الكبرى الأولى في تاريخ الموسيقى. بين المدافعين عن الموسيقى الخالصة absolute music (الموسيقى غير ذات الموضوع) من جانب، وأنصار الموسيقى البروجرامية programme music (الموسيقى ذات الموضوع) من الجانب الآخر. وكانت الإشكالية الأساسية في هذا المضمار: “هل في وسع العمل الموسيقيّ التعبير عن أي دلالة/مضمون؟” إذا كان الأمر كذلك، إذن: “هل ينبغي على الموسيقى التعبير عن معان محددة؟”

إن معنى العمل الموسيقيّ غائم، يستحيل القبض عليه. وتختلف نظريات المعنى -كما في اللغة- في الموسيقى. وتجدر الإشارة إلى إننا وفي سياق المقاربة اللسانية للموسيقى لا ينبغي أن نخلط بين السؤال عن معنى العمل الموسيقي والسؤال عن معنى جملة ما، فالدلالة الموسيقية تختلف تمامًا عن الدلالة اللغوية، ولا يوجد في الموسيقى معنى أو إحالة بالقصد اللغوي والمنطقي لهذين المفهومين، وبذلك لا وجود لأحكام أو قضايا موسيقية.

إننا نفترض أن الموسيقى تقول شيئًا ولكنّا لا ندري ما هو بالضبط. ويصبح سؤال “ماذا تعني الموسيقى؟” بالقصد اللغوي الدقيق من “المعنى”، سؤالًا لا معنى له. ذلك أن الدلالة الموسيقية musical semantic تختلف جوهريًا عن الدلالة اللغوية linguistic semantic ذلك حتى ولو اتفقت الموسيقى مع اللغة، كما رأينا، في عدد من الجوانب، حتى وإذا ثبت أن هناك أصلًا مشتركًا. وقد رأينا كيف تختلف الجوانب اللسانية الصوتية والتركيبية في اللغة عما هي عليه في الموسيقى، كذلك يختلف الجانب السيمانطيقي أو الدلاليّ، موضوع هذه الفقرة. وهو أمر ينبغي التشديد عليه حتى لا يخلط القارئ بين اللغة والموسيقى، ويحسب أن لسانيات الموسيقى تطابق في نظرياتها بين الموسيقى واللغة، وأن هذه قد تؤدي وظيفة تلك، أو أن تحل أي منها محل الأخرى.

إن بيتهوفن في سيمفونيته السادسة عندما يمثل/يحاكي أصوات العاصفة موسيقيًا في الحركة الرابعة لا يُحيل إلى واقع، ولا يشير إلى شيء؛ إن الموسيقى إذا كانت لغة في بعض جوانبها، فإنها ليست لغة إشارية/مرجعية referential بأي حال، وذلك بحكم طبيعتها. فهي تخلو من شروط الصدق وعلاقات التلازم أو التضمن بالمعنى المنطقي. من المؤكد أن في وسع الموسيقى المحاكاة، وتوجيه فهم المستمع نحو أفق معين، إنما ذلك ليس بالأمر الجوهريّ في طبيعتها.

إن الاستماع إلى موسيقى بيتهوفن بوصفها موسيقى خالصة لهو أمر جوهريّ أكثر من معرفة تأثير الروح التي خلفتها الثورة الفرنسية في هذه الموسيقى. والأهم في الموسيقى هو كيفية الاستماع، عوضا عن المحاولة الدؤوبة لاستنطاق العمل الموسيقيّ.[10] إن الموسيقى، بحسب أدورنو، تبدو كما لو كانت تترفع عن “السعي الإنساني الدؤوب -الذي بلا طائل- نحو تسمية الأشياء.” رغم ذلك يظل العمل الموسيقيّ يوجه المتلقي نحو أفق معين من المعنى الموسيقي يظل متجاوزًا للكلمة والتشبيه والتخييل اللفظيين.

ولقد حاول فتغنشتاين المتأخر وصف ما يحدث في مستوى السياق التداولي للمعنى وأجمله في مفهومه عن “ألعاب اللغة”. حيث تنتظم التراكيب اللغوية في لعبة لغوية معينة لها قواعدها الخاصة في الاستعمال العاديّ للغة، مما شأنه أن يولد سياقات أرحب من المعنى تبعًا للسياق الاستعماليّ للكلمات. ولقد رأينا في المستويين الصوتي والتركيبيّ كيف تتنوع طرائق التركيب والبناء الموسيقيين بشكل شأنه أن يولد انتظامات نغمية ممكنة لا حصر لها. هذه الإمكانية التداولية للمعنى الموسيقيّ بالضبط ما يسميه سترافنسكي بألعاب النغم Le jeux de notes. هل في وسعنا المقاربة بين مفهومين يقع كل منهما في مجالين مختلفين تمامًا، كالموسيقى واللغة؟ تصبح الإجابة على السؤال الأخير أكثر التباسًا عندما نرى فتغنشتاين المتأخر يقرر في “بحوث فلسفية” أن: “فهم جملة من اللغة لأقرب إلى فهم قطعة موسيقية ممّا يعتقده المرء.”

وعلى أية حال، فإن مسألة المعنى الموسيقيّ ترتبط أكثر ما ترتبط بماهية العمل الموسيقيّ ذاته. وهي مسألة تحتاج إلى بحث مستقل ولا مجال للتوسع بها في هذا المقام. وبإيجازٍ شديد، إننا إذا فرضنا أن العمل الموسيقي موضوعيّ، أي من الممكن أن يوجد دون أن يدركه أحد، لكان ذلك أشبه بالاعتقاد في وجود أشباح. وعلى العكس، إذا قلنا إن وجود العمل الموسيقيّ يعتمد على الذات المستمعة، وأنه لا خبرة موسيقية دون إنسان يخبرها، سنواجَه بالاستنتاج بأن خبرة الإنسان في هذه الحال خبرة قصدية تتجه شطر موضوع، أي العمل الموسيقيّ، وهذا استدلال دائري.

إن ماهية العمل الموسيقيّ، كما لاحظ أدورنو بحق، تستعصي على الردّ إلى مجرد الصوت كشيء في ذاته أو مجرد العزو إلى الذات المستمعة. ولو صحّ أن الموسيقى هي مجموع ذبذبات صوتية فحسب، وأن انفعالاتنا تجاه الموسيقى ليست إلا عبارة عن “تشنج عصبي” يحدثه المخ، على حد تعبير ويليام جيمس، لقلنا استنادًا إلى ذلك أن أجهزة الصوتيات أو الجراموفون تُصدِر “موسيقى”. لكن واقع الأمر أن هذه الأجهزة لا تُصدِر أي “موسيقى”، بل أنها تُصدر في الواقع مجموع أصوات مُنظمة ومرتبة وفقًا لمخطط ما، لها خصائص شكلية محددة، وسمات فيزيائية كما في التردد والطول الموجي.. إلخ.

والأنسب القول بأن هذه الأصوات الفيزيائية “المنظمة والمرتبة..” ليست موسيقى، وإنما تصبح موسيقى حالما يدركها مؤول/مستمع كوحدة جشطالتية. هذا يعني أن العمل الموسيقي ثابت ومتغير، فهو في بعض جوانبه يكون ثابتًا (البنية والتركيب)، وفي جوانب أخرى -حيث يكمن الغموض- نراه يعتمد وجوده على الذات المستمعة، حيث تتبدل دلالاته من شخص إلى شخص، وتتبدل عند الشخص نفسه من وقت إلى آخر، ومن حال إلى حال. يتساءل فتغنشتاين: “ما قيمة سوناتات بيتهوفن؟ هل هي في تسلسل النغمات؟ أم مشاعر بيتهوفن عند تأليفها؟ أم هي الحال الذهنية عند الاستماع إليها؟” ويجيب: “أيًا كان التفسير سأرفضه، ليس لأنه خاطئ.. بل لأنه تفسير”.


المصادر:

Adorno, Theodore. “Music, Language and Composition”. The Musical Quarterly, Vol. 77, No. 3 (Autumn, 1993), Oxford University Press.

Bernstein, Leonard. The Unanswered Question: Six Talks at Harvard, Harvard University press. 1976.

Brown, Steven. The Origins of Music. Cambridge, MA: MIT Press.

  1. K. Ogden, I. A. Richards. The Meaning of Meaning. New York: Harvest Book / Harcourt, Brace & World, 1946.

Chomsky, Noam. Cartesian Linguistics, New York: Harper & row, 1966.

Cross, Jonathan (ed). The Cambridge Companion to Stravinsky. Cambridge University Press 2003. p152.

Darwin, C. The Expression of Emotion in Man and Animals. London: Murray.

Darwin, Charles. The Descent of Man, and Selection in Relation to Sex (Vol 1). Cambridge University Press 2009.

Schopenhauer, Arthur, The World as Will and Representation, Cambridge University Press 2010.

Patel, A. D. (2008). Music, Language, and the Brain. Oxford, NY: Oxford University Press.

Lerdahl, Fred and Ray Jackendoff (1983). A generative theory of tonal music. Cambridge, MA: MIT Press.

Srabo. The Geography of Strabo (In Eight Volumes). Translated by: H. L. Jones, A. M. London: William Heinemann; New York, G. P. Putnam’s Sons, Volume I

Wittgenstein, Ludwig. Philosophical Investigations. 2009  fourth edition. Blackwell Publishing Ltd.

[1] اللغة المنطوقة وليست الكتابة، حيث أن الأخيرة، وهي قوام الحضارة، ظاهرة حدثت مؤخرًا (حديثة نسبيًا) قياسًا بعمر الرئيسيات على ظهر الأرض.

[2] علم موسيقى الشعوب/علم الموسيقى المقارَن. نشأ في البداية باسم Vergleichende Musikwissenschaft في القرن التاسع عشر باقتراح من العالم والمؤلف الموسيقيّ الألماني جيدو أدلر رائد علم الموسيقى.

[3] علم الأصوات، يتقاطع مع الإنسانيات في علم الموسيقى وعلوم اللغة، ومع علوم الطبيعة مثل فيزياء الصوتيات.

[4]  الفونيم هو أصغر وحدة صوتية في جهاز العلامات الصوتي للغة ما. عدد الفونيمات التي يقدر التركيب الفيسيولوجي للجهاز الصوتي على إصدارها عند الإنسان محدود. ولذلك فإن عددها واحد تقريبًا في جميع اللغات المنطوقة الممكنة.

[5] BACH: https://www.youtube.com/watch?v=IVJD3dL4diY

[6] MOZART: https://www.youtube.com/watch?v=JTc1mDieQI8

[7] أسلوب تحليلي أدخله تشومسكي في اللسانيات لاستنباط البنية العميقة deep structure لجملة ما بتحليل عناصر البنية السطحية لها surface structure.

[8] BEETHOVEN: https://www.youtube.com/watch?v=dbfa86bTD34

[9] كان أبرز المحافظين برامز وشومان ومندلسون، وكان من أبرز الراديكاليين فرانز ليست وفاجنر.

[10] يميز جلبرت رايل في كتابه مفهوم العقل The Concept of Mind بين “معرفة كيف knowing how” و”معرفة أن knowing that”. وبما أن الموسيقى لا تقدم قضايا خبرية شأنها شأن أي فن، فهي ليست “معرفة بأن”، لذا نحسب أن استماع الموسيقى يقع في نطاق النوع الأول من تمييز رايل، وأن هذا بالضبط ما يميز المؤدي/المستمع الجيد عمن غيره. أنظر:

Ryle, Gilbert. The Concept of Mind. Routledge (2009). p14.



المصدر : https://mana.net/archives/2746...

نقط هذا المقال

قصاصات |  أدوات | كتـب | كتاب | ناشرون | راصـد | نصوص