إصدارات.كوم : دليل قراءة
نايرة أنطون - الخميس 10 أكتوبر 2019

هناك مدمنون في يوتوبيا الاشتراكية: بحثًا عن لغة جديدة للألم النفسي





هناك مدمنون في يوتوبيا الاشتراكية: بحثًا عن لغة جديدة للألم النفسي

امتدحني زميل بعد تحريري سلسلة مقالات نُشر معظمها بالإنجليزية في «مدى مصر» استندت إلى إسهامات القراء حول تجاربهم مع الصحة النفسية لكنه ذكر أن العنوان، «ليس إغراقًا في اﻹمراض، ولا في الرومانسية»، كان أسوأ عنوان ممكن في رأيه. يصعب نطقه بالإنجليزية: Neither pathologization nor romanticization.

بالرغم من موقفي الدفاعي في البداية عن هذا العنوان، ربما كان هناك شيء منطقي في رأيه. استخدمت هذا العنوان الثقيل كنوع من الهروب. وقت كتابة مقدمة السلسلة، كنت أحاول أن أعبر عن شيء صعب على التعبير عنه. في النهاية، وضعته في صيغة سؤال: ما الذي يعنيه أن نقر بأن العالم حولنا مضطرب؟ هذا ليس سؤالًا شكليًا أو بلاغيًا، وإنما محاولة إدراك لفكرة أن لنكيف أنفسنا اجتماعيًا علينا أن نتقبل قدرًا من الخلل. ما الذي يعنيه أن نقر بهذا دون إلغاء اﻷشكال اﻷقل وضوحًا من المعاناة والصراع، دون إلغاء حقيقة الناجين، والذين لم يتمكنوا من النجاة؟

شعرت أننا إذا أردنا دعوة القراء لـ «مشاركة كتاباتهم، وأعمالهم الفنية التي جاءت من معاناتهم مع الصحة النفسية»، فإننا نحتاج إلى اتخاذ موقف، موقف مفتوح. انتهى بي الحال إلى أن أقول لقرائنا ما نحاول ألا نقوم به: لا نريد الإغراق في الإمراض في تناول الألم النفسي، ولا نسعى للتحدث عنه بشكل رومانسي.

لم أُشر إلى مصر كفضاء محدد للحديث عن الصحة النفسية في المقدمة. عالميًا، يبدو أننا نعيش مرحلة صعود في خطابات الصحة النفسية، وهو ما يعني أن اللغة المعارضة لهذه الخطابات تشهد صعودًا أيضًا. لا أتذكر كم المقالات التي يحمل عنوانها تنويعًا على فكرة أن «النيوليبرالية تجعلنا مرضى». وكذلك صياغات عديدة  للحجج النسوية التي تصف كيف تجعلنا البطريركية والصدمات المرتبطة بها مرضى؟

 في مصر موت اﻷمل يجعلنا مرضى

بتعبير آخر، «الصدمة أصبحت أحد أكبر دلالات عصرنا» ، كما يجادل ديدير فاسين Didier Fassin وريتشارد ريشتمان Richard Rechtman في كتاب «إمبراطورية الصدمة» (2009).

أُجريت بعض اﻷبحاث حول الصدمة السياسية وسط النشطاء المصريين. قامت فيفيان ماثيس-بون Vivienne Matthies-Boon بمقابلات مع 40 ناشطًا لاستكشاف مسارات صحتهم النفسية فيما يرتبط بالتطورات السياسية في البلاد. ترسم فيفيان فهمًا سياسيًا واجتماعيًا وجماعيًا للصدمة، سواء في نشأتها، وكيفية علاجها أو عدم علاجها، متأثرة بعمل جانوف بولمان Janoff-Bulman حول الطريقة التي تحطم بها الصدمة افتراضاتنا حول العالم، افتراضات من نوع «أن الذات تستحق، وأن العلاقات الاجتماعية لها معنى، وأن العالم يحب الخير».

حاولت أنا أيضًا استكشاف مسارات الصحة النفسية فيما يتعلق بالثورة بشكل أكثر تواضعًا في هذا المقال. سعيت إلى مقابلة نشطاء شهدوا صعود الجيش إلى السلطة في صيف 2013 كهزيمة لثورة يناير 2011، لكن لديهم أيضًا صراعات مع الصحة النفسية تسبق لحظة ثورة 2011. أفترض أنني أقل اهتمامًا بتأثير التوقعات والآمال التي تحطمت بسبب حدث أو عملية سياسية، وأكثر اهتمامًا بهؤلاء الذي لم يتمكنوا أبدًا من تطوير هذه الآمال أو فقدوها أثناء طفولتهم: أشخاص «اضطربت» علاقتهم بالطعام أو الجنس منذ وقت طويل، أشخاص لم يحظوا أبدًا برفاهية الشعور باﻷمان داخل أجسادهم أو داخل الحياة، أشخاص لا يعرفون إمكانية الثقة بأنفسهم ﻷنهم أحيانًا يشعرون أنهم بخير وأحيانًا تبدو أفكارهم خطيرة للغاية. كيف تفاعل الاضطراب الداخلي هذا مع مع بيئة أصبحت -بشكل سريع- أكثر اضطرابًا مما كانت عليه؟

هناك في بعض الأحيان تراتبية للمعاناة تجعل من المعاناة بسبب السلطة السياسية أكثر واقعية من أي معاناة أخرى. يُستخدم ميشيل فوكو الجنون كعنوان لهؤلاء الذين لا يندمجون اجتماعيًا. علاج الصحة النفسية في مجتمع رأسمالي يعيد تشكيلنا كأجساد خاضعة وتوابع. وأحيانًا هناك نقد لشركات دواء وأطباء يبدو أنهم يهتمون بوصف الحبوب أكثر مما يهتمون بالفهم. في العادة، تُنسج مجموعة محددة من النقاط الهامة لتنتج تحليلًا سطحيًا خطيرًا يوصم الناس بسبب حالتهم، أو بسبب تعاطيهم الدواء، أو بسبب استخدام مصطلحات طبية فيما يتعلق بتجربتهم.

هناك أيضًا اندفاع النشطاء لخلق مجتمعات للرعاية والتكافل. صحيح أننا بحاجة لهذا، لكن المجهود اﻹنساني المكثف لا يحقق الخلاص من كل أنواع المعاناة. ما يقلقني هو أن هذا الاندفاع الشائع وسط النشطاء لتقديم حلول لأزمات الصحة النفسية يأتي من صعوبة في تقبل الواقع وفهم مدى عمق معاناة النفس الداخلية.

في مقدمة السلسلة الأخيرة التي دعونا فيها قرائنا لمشاركة تجاربهم مع الصحة النفسية، شعرت أنه من الضروري أن نبدي موقفًا حول ما يجب أن تكون عليه مقاربتنا للصحة النفسية، ليس فقط ﻷننا نطلب من قرائنا ائتماننا على شهاداتهم حول تجاربهم، ولكن أيضًا ﻷننا نحاول أن نكون مساحة تقدمية، بينما لا يوجد بالضرورة معنى واضح لما يعنيه الموقف التقدمي من الصحة النفسية.

عانيت كي أعثر حولي في الحياة أو أصيغ لنفسي لغة للحديث حول الصحة النفسية لا تخلو مما هو سياسي أو اجتماعي لكنها كذلك لا تختزل المعاناة النفسية في نقد المنظومة السياسية والاجتماعية الأشمل.

ما قد يفوت على قراء هذه السلسلة هو ملاحظة أن أغلب المساهمات فيها، وإن كان ليس جميعها، كانت مكتوبة باﻹنجليزية، كتبها نساء، وأن كثيرًا منهن تحدثن عن الجزع أو القلق النفسي. لم يكن أي من هذه الملاحظات مفاجئًا، لكننا لا يجب أن نبالغ في تفسيرها. سؤال اللغة يرتبط طبعًا بالطبقة: يزيد احتمال أخذ الصحة النفسية في الاعتبار عند محاولة فهم الحياة بين أفراد الطبقة المتوسطة وما فوقها. كما أن هناك تاريخًا طويلًا من الربط بين الجنون والنساء، وفي تقدير أصوات النساء فقط حين تتحدث حول الحكايات الشخصية المؤلمة: الاعتراف اﻷنثوي. عمومًا، بناءات ومطالب الذكورة تجعل هذا النوع من الحديث أقل إتاحة بالنسبة للرجال.

فيما يتعلق بالانشغال بالجزع النفسي، يمكن النظر إلى هذا كانعكاس للأزمنة المسببة للقلق التي نعيش فيها، عالميًا وفي مصر. لكن هذا يرتبط أكثر بالقبول الاجتماعي لبعض الحالات مقارنة بأخرى. الجزع النفسي والاكتئاب لا تأتي ضمن السلوكيات التي تعتبرها العائلات مخجلة، على عكس اﻹدمان والفصام والذهان، وهي حالات يصعب اعتبارها تنويعات على ما هو طبيعي. حقيقي أن الوصم يرتبط بمشاكل الصحة النفسية، لكن اﻷدق هو إدراك أن هناك وصمًا يرتبط ببعض مشاكل الصحة النفسية أكثر من غيرها.

تناولت بعض اﻹسهامات المسميات والتشخيص والدواء. كان واضحًا أن أي موقف مجرد فيما يتعلق بالتشخيص أو الدواء، سواء كان مؤيدًا أو معارضًا، مجرد هراء. تصف الراوي/ة في «السفر عبر الزمن خلال الاضطراب» الطبيعة المزدوجة للتشخيص -ارتياحًا وحكمًا باﻹعدام في الوقت ذاته- قبل التعامل مع أعباء عدم تصديق العائلة واﻷصدقاء بسبب «أنني أعرف كيف أُسدل على انهياري ثوبًا أنيقًا». كتب/ت (ق). في مداخلته/ا، يقول قاضي إن عددًا من الناس لا يرغبون في تصديق أن هناك شيئا اسمه اضطراب هوية تفارقي، وأن «والدّي بدءا التصديق حين أدركوا أنني ما زلت أصرخ في الركن كطفل في الخامسة من عمره وأنا في سن 21».

الراوي/ة في «من هو من وما هو ما» وصفوا ثقوبًا سوداء لا تنتهي من مراقبة الذات أثناء محاولتهم التعرف على ما يثيرهم، وعلى أفكارهم ومخاوفهم، بسبب اضطرابهم عند التفرقة بين «أفكارهم» و«أفكار اضطراب الوسواس القهري»: منذ متى أنا مُصاب؟ ما هو أنا، أنا على الدوام، وما هو ناتج اضطراب الوسواس القهري قبل أن يكشف عن نفسه بهذه القوة اﻵن؟ من هو من؟ وما هو ما؟

مثل آخرين، يحاول الراوي/ة الانتقال من محاولة هزيمة مرضهم إلى نوع آخر من التعامل: «على قلة ما أعرفه، ليس هناك غزوًا وليس هناك انتصارًا ولا نهاية. هناك أنا، وهذا، ويجب علينا أن نتعايش». تتكرر فكرة تعلم مصاحبة زائر غير مرغوب فيه عبر النصوص، إلى جانب فكرة تعلم استيعاب كل أجزاء الذات. يختار أحد اﻷشخاص أن يكتب خطابًا لاضطراب الوسواس القهري الخاص بهم، يخبرونه «اضطررت ﻷن أصرخ ألف صرخة صامتة فقط كي لا يسمع أحد صوتك وأنت تحطمني».

بدأت في 2015 التفكير في بدء رسالة دكتوراه للبحث في برامج الـ 12 خطوة -برنامج علاجي للإدمان- في مصر (وأكبرها زمالة المدمنين المجهولين). كنت أرغب في فهم مجتمعات التعافي، وتطلعت لاستكشاف الأنماط الاجتماعية السياسية لهذه المجتمعات وهكذا أصبحت التيمة في محور تساؤلاتي عن ما يمثله فكر تقدمي محيط بمسائل الصحة النفسية. أقدم هذه المجموعات هي مجموعة مدمني الكحول المجهولين، والتي تأسست في الولايات المتحدة وسط ثلاثينيات القرن الماضي. ومنذ هذا الحين، تأسست مجموعات أخرى ﻷنواع مختلفة من اﻹدمان وأقارب المدمنين، معتمدين على فهم مجموعة مدمني الكحول المجهولين للإدمان باعتباره مرض من ثلاثة جوانب: العقل والجسد والروح. لدينا اليوم مجموعات «المدمنين المجهولين»، «مدمني الطعام المجهولين»، «مدمني الكوكايين المجهولين»، «مدمني المراهنة المجهولين»، «أبناء بالغين مجهولين لمدمني الكحول»، وغيرها.

قرأت كل اﻷعمال اﻷكاديمية التي استطعت الوصول إليها حول برامج الـ 12 خطوة، لاصطدم بما وجدته في كل مكان آخر: النصوص إما تلتقط الصدمات واﻷفعال التي جلبت الناس إلى هذه الغرف، أو تقدم تحليلات اجتماعية ومنطقية مثيرة للاهتمام لكنها تفشل في التعامل مع هذه الصدمات. لكنني نادرًا ما قابلت نصوص تلتقط الصدمات وتتعامل معها على فرادة، فيما تحلل السياقات الاجتماعية والسياسية المحيطة.

أشعر ببعض الخيانة ﻷن الكتابة المستلهمة من مبادئ العدالة الاجتماعية لا تجد مكانًا كبيرًا لها في عالم المعاناة النفسية. أشعر ببعض اﻷذى ﻷنني شهدت وتشكلت بمعاناة صحة نفسية طوال حياتي، شاهدة عاجزة في بعض اﻷوقات، ومتواطئة في أحيان أخرى للألم والمعاناة الذي لم يمكن توصيفه بسهولة بما هو متاح من أدوات للنقد والتحليل الاجتماعي. 

عرفت عن الـ 12 خطوة والتعافي عبر أختي ليلى.

حركة التعافي -الظاهرة المتنامية من أدبيات مساعدة النفس/الذات ومجموعات مساعدة الذات والمنتجات الثقافية المرتبطة بها مثل برامج التلفزيون- لديها جذور في برامج الـ 12 خطوة. في فحص ثاقب للتاريخ الثقافي لمجموعة مدمني الكحول المجهولين وحركة التعافي، كتبت تريش ترافيس Trysh Travis أن ثقافة التعافي العلاجي يمكن فهمها بأفضل طريقة كمزيج من أفكار الـ 12 خطوة، وسياسات الهوية، وأفكار علم النفس. ربما يبدو مفاجئًا أن نرى سياسات الهوية ضمن هذه القائمة، لكن كما تصف ترافيس، فإن العامل اﻷساسي في تطور ثقافة التعافي العلاجي يكمن في نمو حقل علاج اﻹدمان في الثمانينيات مع انتقال التركيز إلى المجموعات المهملة تقليديا: النساء، واﻷقليات، وهؤلاء الذين أدمنوا مرارًا.

يواجه النقاد الجذريون فكرة مساعدة الذات، يجادلون أنها تنزع السياسة، وتحول المشاكل الاجتماعية إلى مشاكل فردية، واﻷسوأ أنها تفعل هذا عبر لغة عاجزة للحديث عن المرض. اتهموا التعافي بالدفاع عن تغيير الذات وليس عن تغيير المجتمع. بهذه الطريقة، فإن مساعدة الذات تتجاهل غياب المساواة السياسية والاجتماعية.

تذهب هيدي ريمكة Heidi Rimke أبعد من هذا بالجدال بقولها إن مساعدة الذات لا تقتصر على «تمجيد الفردي أكثر من الاجتماعي»، ولكن أيضًا «تلغي الطبيعة الاجتماعية الكامنة في الذات»، وبالتالي فإنها تفرغ المواطنة من مضمونها. بالاعتماد على تحليل فوكو، تعرف ريمكة مساعدة الذات كـ «أحدث الإضافات إلى تاريخ طويل وضال من الاهتمامات المرتكزة حول رعاية الذات». تنتج مساعدة الذات مواضيع «صحية سيكولوجيًا بقدر ما هي خاضعة، ومتوقعة، وقابلة للحساب، والتقسيم، واعية بنفسها، مسؤولة، تنظم نفسها، وتحدد نفسها». وتشمل التمارين التي يفرضها الشخص على نفسه استبيانات واستطلاعات واختبارات وتقييمات وقوائم تدقيق ومعايير تقييم، وتمثل جميعها ممارسات انضباطية يؤمن الناس من خلالها أنهم يكتسبون معرفة ذاتية، لكن «الوعد الذي يقدمه اعتراف مساعدة الذات بالكشف عن أعمق الحقائق داخل أنفسنا يصبح براقًا إلى درجة يصعب عندها بالنظر في أو الإفلات من شبكة علاقات القوة التي يأتي منها هذا الوعد».

يتواجد النساء بشكل كبير في التعافي، سواء في مجموعات أو كمستهلكين ﻷدبيات مساعدة الذات. زيادة أعداد النساء تصف اﻷلم عبر لغة التعافي الشخصي أكثر من سردية جماعية للقمع والنضال. ولهذا لم يكن مفاجئًا أن تتعرض مساعدة الذات لنقد شديد من مختلف الباحثين النسويين. على سبيل المثال، تجادل إيلين رابينج Elayne Rapping أن حركة التعافي تستعير ما كان جيدًا في النسوية -خصوصًا كسر الصمت وبشكل ما ترى أنه يماثل رفع الوعي- ثم تفرغها من محتواها وأهدافها السياسية. ولهذا جاء الدفع بأن حركة التعافي بالضرورة مضادة للنسوية ﻷنها تشجع النساء على رؤية أنفسهن باعتبارهن المشكلة، المرضى، بدلًا من اتهام المجتمع الرأسمالي البطريركي بأنه السبب في معاناتهن.

تشير ريمكة أيضًا إلى عدد من اﻷمثلة لرموز مساعدة الذات المهمين ممن يبدون ملاحظات سياسية إشكالية للغاية، مثل مورجان سكوت بيك Morgan Scott Peck الذي يظن أن «مناقشة قوى القمع في مجتمع أكثر من مناقشة الفردي يعد أمرًا طفوليًا». الموقف ذاته تدافع عنه روندا بايرن Rhonda Byrne في كتابها الشهير «السر» (2006). اتفق مع رأي ريمكة في هذا لكن تجاهل كل أشكال التعافي يظل إشكاليًا.

اتفق أيضًا مع ترافيس أن «غياب القدرة على إدراك مجموعة من اﻷدوات والمفردات النقدية لا يعني أنها ليست موجودة»، وأنه فيما يتعلق بثقافة التعافي، فإنها «توفر لتابعيها استراتيجيات تفاوض في طرقهم في الحياة وحتى ﻹحداث تغيير داخلها».

الاستثناء النادر لغياب التعقيد اللازم داخل حركات وخطابات التعافي جاء في كتاب عالمة الاجتماع ليسلي إرفين Leslie Irvine عن برنامج الـ 12 خطوة في الولايات المتحدة لمدمني السلوك الاعتمادي (1999). على عكس برامج الـ 12 خطوة اﻷخرى مثل مدمني الكحول المجهولين أو المدمنين المجهولين، لا يذهب الناس إلى هذا البرنامج بسبب المخدرات وإنما بسبب سلوك محدد، وهو التعلق المرضي ولهذا فإنه برنامج يتعرض إلى بعض انتقادات الـ 12 خطوة فيما يتعلق بالذات المنضبطة.

يبدأ الكتاب بهذه الجملة: «هذه دراسة في كيفية جعل الحياة المدمرة قابلة للعيش مرة أخرى». معظم أعضاء «عالة مجهولون» هم أشخاص خرجوا مؤخرًا من علاقات طويلة اﻷمد. وعلى اﻷرجح، ينظرون إلى ماضيهم -الزواج الذي امتد 20 عامًا، منازل طفولتهم- عبر لغة الاختلال الوظيفي والتسمم والتعلق المرضي. يقتنع كثيرون منهم أن مشاكل علاقاتهم «جاءت من أفكار تقليدية حول ما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الرجل والمرأة». وجدت أرفين أن هذا صحيحًا بالنسبة إلى الرجال كما هو بالنسبة إلى النساء. تصف مختلف الرجال الذي أرجعوا مشاكلهم إلى «طريقة الرجال التقليدية في فعل اﻷشياء»، كما تصف امرأة أنهت زواجًا مع زوج خائن مسئ غيور لتبدأ علاقة أخرى مماثلة لم تستطع أن تنهيها. ومن خلال عالة مجهولون، تمكنت هذه المرأة من المغادرة لتتعلم كيفية الشعور أنها بخير وهي وحيدة للمرة اﻷولى، وكيف تتفاوض على علاقات أكثر مساواة. في تعاملها مع نقد أن التعلق المرضي يمثل ضمادة لمشاكل اجتماعية أكبر، كتبت أرفين «ما هو السؤال الاجتماعي السياسي لمشكلة متعددة اﻷبعاد تتمثل في غياب أي إحساس بالنفس؟ تفكيك البطريركية؟»

كما تشير أرفين، لا توجد مساحة في وجهة نظر عالة مجهولون للأسباب المادية التي تجعل امرأة غير قادرة على الانفصال عن شريك مسئ. فإن هؤلاء اﻷشخاص يدركون بشكل كبير المصادر الاجتماعية لعدم المساواة لكنهم يريدون أيضًا بناء علاقات متساوية في حيواتهم، وهو أمر يقدمه عالة مجهولون لهم.

يظهر المشاركون في مجموعات مماثلة في اﻷدبيات النقدية غالبًا كمغفلين وليس كأشخاص يسبحون في عالم قد يكون عدائيًا بكل الطرق، ويحاولون جعل حياتهم فيه قابلة للعيش.

كتاب روكسان جاي Roxane Gay «الجوع» (2017) هي مذكرات بديعة للعيش داخل جسد «غير منضبط»، ويمثل شهادة عن عدد مختلف من اﻷشياء، من بينها كيف أن التحليل والفهم، على الرغم من أهميتهما، لا يمثلان أداتين في حد ذاتهما للعيش داخل الجسد. تُدرك كيف أنها استجابت لحادثة اغتصاب جماعي تعرضت لها في عمر الـ 12 عبر السعي إلى حماية نفسها عن طريق اﻹفراط في تناول الطعام كي تصبح منفرة. تفهم أيضًا كيف صاغت البطريركية طريقة استجابتها: «حتى في هذا العمر الصغير، فهمت أن أكون سمينة يعني أن أكون غير مرغوبة في من قبل الرجال». تعرف اﻵن أن اﻹفراط في الطعام لا يمكنه أن يحميها، وتعرف كيف تنغمس استجابتها في أبنية البطريركية، وأنها كنسوية يجب أن تشعر بالارتياح في جسدها. لكن «ما أعرفه وما أشعر به أمرين مختلفين تمامًا». «الشعور بالراحة داخل جسدي ليس أمرًا يرتبط كلية بمعايير الجمال. لا يتعلق اﻷمر بالمثاليات. لكنه يتعلق بما أشعر به داخل جلدي وعظمي، يومًا تلو اﻵخر».

ربما كنت أكثر تورطًا سياسيًا ﻷنني كنت أقل انشغالًا بالصراع من أجل البقاء مما كانت عليه أختي، لكنها كانت متورطة أيضًا. فكرت كثيرًا كيف صاغ الجندر خلل تناول الطعام عندها.

ألحت أختي على أبينا ذات يوم لمنح أموال لامرأة قابلتها شعرت أنه يمكنها التعافي إذا دخلت مصحة لكنها لا تستطيع تحمل تكلفتها. في بعض اﻷوقات، كنت أتسائل إذا لم تكن ليلى واعية بمميزاتها الطبقية. ذكرت اﻷمر في إحدى المرات. كانت تتحدث حول بعض من قابلتهم في طريقها، بعضهم في اجتماعات، وآخرين في مأوى للمشردين، وقالت إنها تتمنى أن كان لديهم الموارد والفرص التي حظيت بها للذهاب إلى مصحة، ربما يمكنهم أن يستفيدوا منها بشكل أكبر، ربما يمكنهم أن ينجحوا. لا أتذكر ردي عليها لكنني أظن أنني جاهدت كثيرًا كي لا تظهر الدموع على وجهي.

حتى محاولات أن نكون نقديين في مقارباتنا للصحة النفسية تكون اختزالية للغاية -كما لو كانت القوى الاجتماعية لديها تأثيرات بسيطة ومباشرة وأحادية على الروح. كنت أعاني من أجل إيجاد وصياغة لغة يمكنها فعل كلا اﻷمرين: أخذ السياسي والاجتماعي في الاعتبار بالتوازي مع ما هو شخصي وذاتي. لكن حتى أثناء محاولة صياغة ما أحاول فعله، فإن لغتي تخذلني. يشير ستيفن فروش Stephen Frosh وليزا بارايتسر Lisa Baraitser إلى «للصعوبات المتكررة لكشف مساحة تجمع بين النفسي والاجتماعي دون افتراض أن هذين الفضاءين يختلفان عن بعضهما البعض». كبديل عن هذا، يقترح كلاهما صورة لشريط موبيوس حيث «يتدفق اﻷسفل واﻷعلى، والداخل والخارج معًا، ليصبح اختيار طريقة النظر إليها خيار تكتيكي صرف، تمامًا مثل قرار النظر إلى الموضوع من وجهة نظر سيكولوجية أو اجتماعية». العالم الاجتماعي ليس شيئًا خارجنا، ولكنه شيء داخلي. يربطون هذه المقاربة النفس-اجتماعية بالتحليل النفسي.

بعد التراجع عن فكرة تحضير دكتوراة، قررت قبل سنتين التدريب كي أصبح معالجة، ومع بداية هذه السلسلة كنت قد قررت التجريب في هذه المقاربة النفس-اجتماعية. كنت أخطط للتدريب كمعالجة وجودية وكنت ضد مقاربات التحليل النفسي بشكل ما. تطور العلاج الوجودي، والذي جاء كما يوحي الاسم من الفلسفة الوجودية، كنقد للتحليل النفسي. التحليل النفسي منغمس في أنماط تفكير طبقية بطريركية كولونيالية. ولهذا حشر نفسه في إطار فرداني لا اجتماعي ولا تاريخي. كما تجادل جوانا ريان Joanna Ryan، فإن معظم اﻷعمال التي أجريت على ندبات الطبقة لا تأتي من أدبيات التحليل النفسي، وإنما من العلوم الاجتماعية واﻷنثروبولوجية، رغم أن التحليل النفسي يمتلك الأدوات لهذا.

كنت أجلس العام الماضي مع صديق ولد ﻷبوين مصريين في انجلترا مثلي، وقضى عددًا من أعوام بلوغه في مصر مثلي. أخبرني أنه هو اﻵخر قرر التدرب كمعالج. ذكر شخصين آخرين نعرفهما يقومان بالمثل، للصدفة كلهم رجال. تضايقت من هذا، من فكرة أن مساري يتبع نمطًا، كأنني لم أكن أفكر في الصحة النفسية قبل 2011. لكن لا توجد مسارات متماثلة. طوال أعوام رغبت في تحضير دكتوراه في اﻷنثروبولوجي، وبينما أتساءل ما إذا كنت أشعر أن الحياة اﻷكاديمية تلائمني، كنت أتعلق بموضوع لبعض الوقت قبل أن أتركه. لكن خلال العامين اﻷخيرين، ارتبطت الموضوعات بشكل متزايد بما يطلق عليه الصحة النفسية. في النهاية شعرت أن البحث والكتابة حول الصحة النفسية في سياق دكتوراه أنثروبولوجية قد تعيدني كثيرًا إلى ازدواجية اﻷكاديمية واﻷزمة الوجودية بشكل أعم.

تعلمت من الثورة ومن العمل في «مدى مصر» أنه من الممكن العمل والتدخل في مجال ليس فقط عبر القيام بمواعظ (ولا أقصد أن هذا ما يفعله اﻷكاديميون) وأنه من الممكن فعل هذا في غياب اﻷمل.

وفي مكان ما هناك، بعيدًا عن وطن اﻵباء حيث كنت شاهدة على صعود الثورة وتضاداتها، غادرت ليلى هذا العالم. كان هذا في 2014. هذا هو ما قصدته بغياب اﻷمل: أكبر آمالي كانت أن تنجح ليلى، وأكبر مخاوفي كان من عدم قدرتها على هذا.

لا أسلك هذه المهنة بعقدة مخلص، لا أعتقد أنه يمكن إنقاذ أي شخص. أخبرتني أختي بهذا. في قصيدة عنوانها «محادثة مقطوعة»، كتبت عن مرة اتصلت بها. كانت نائمة طوال اليوم، و «لم تتمكن روحها من الحركة» كما كتبت. اتصلت وكانت سعيدة أن تسمع مني ﻷنها كانت تحس ليلتها بالانكسار. لكنها لم تتمكن من الحديث، وكان هناك غضب. قلت لها إنه «ربما ليس الوقت مناسبًا للاتصال». كانت صامتة، «تحاول ابتلاع الدموع الخانقة»، قبل أن توافق أنه ربما يجب أن اتصل في وقت آخر. تستمر القصيدة:

«اعتذر، أنا فقط خائفة من قول شيء وضيع، كانت ليلة صعبة، وأشعر ببعض الغيرة من كل اﻷشياء التي تفعلينها بينما أضيع حياتي. يصعب أن أحظى بعلاقات في هذا الوقت».

بدا كل هذا خاطئًا.

لا تقولي أي شيء.

كان هناك وقت حاولتي فيه إنقاذي لكن بعد كل ما قلته وفعلته، أظن أنه لا يمكنك إنقاذ أي شخص.

كان هناك وقت حاولت فيه إنقاذها. كان هناك وقت فكرت أن كل هذا خطأي. كان هناك وقت فكرت أنه إذا فشلت في إنقاذها، سيجب علي أن أنقذ كل شخص آخر (كان عمري 16). عند نقطة ما، من المؤكد أنني فكرت أن هناك قدرًا محددًا من المعاناة في عائلتنا، ولهذا كنت أحرم نفسي من الطعام معتقدة أنه يمكنني أن أتحمل هذا بالنيابة عنها. في أوقات أخرى، كنت أكل وأكل طعام أمي بينما كانت ليلى في حجرتها كي لا تشعر أمي أنها فشلت في إطعام بناتها. كانت هناك أعوام قلت فيها لنفسي أن لدي هذا الحزن الضمني ﻷن من أحببتها أكثر من أي شيء آخر تعاني بشدة ولا تستحق هذا. كانت رقيقة. كانت جميلة. شعرت أن الحياة الحقيقية ليس هنا حيث أعيشها لكن أينما كانت. اﻷكثر أهمية كان ما يحدث في مكان آخر. استغرق اﻷمر بعض الوقت حتى أدرك أنني استخدمتها كشماعة لمشاعري التي لم أستطع تسميتها. لم أسأل قبل فوات اﻷوان ما إذا كانت أحزاننا تأتي من نفس المكان.

حين انتقلت إلى مصر، أعطتني ملاحظة صغيرة كُتبت على ورقة برتقالية شكلتها على شكل قارب. هكذا كانت ذكية. تمنت لي السلامة في رحلاتي، وأخبرتني بحقائق صعبة عن نفسي ﻷنها أحبتني وأرادت أن تصبح الحياة أسهل بالنسبة لي. بعد قراءتها، أعدت ثني الورقة إلى شكل القارب، متساءلة ما إذا كان في إمكان يدي أن تتذكر الطريقة. فتحتها مرة أخرى وأعدت قراءتها بعد رحيلها.

لم تأت ليلى إلى مصر منذ كان عمرها 15 عامًا. كانت أقسمت أنها لن تعود قبل أن تتحدث العربية بشكل أفضل. لم نتحدث عن هذا كثيرً. بعد هذه الرحلة، كانت مشغولة للغاية بصراعها للنجاة كي تتمكن من بذل مجهود ثابت لتحسين لغتها العربية، وهو ما لم أعتقد أنه أمر سيء بالنظر إلى أنني اعتبرت أن تطوير لغة والدينا اﻷصلية مصدر أزمة وجودية داخلي. تسببت اللغة الأم في أزمة وجودية وأنا لا أتعامل مع أفكار انتحارية بشكل يومي. ناهيك عن غيري.

تحدثنا من وقت إلى آخر حول حضورها لزيارتي في مصر. قد يكون اﻷمر أكثر أمانًا هنا بشكل ما. وﻷنني أعيش هنا، استمرت العائلة في سؤالي عنها. أين ليلى، ألا تُحب مصر (ألا تُحبنا)؟ معظم عائلتي هنا من جهة أبي، وكنت أشعر بالغضب تجاهه في كل مرة كنت أهرب فيها من هذه اﻷسئلة. ما الذي تفعله ليلى؟ «قليل من هذا وقليل من ذاك. تسأل عنكم. ستأتي قريبًا إن شاء الله».

لم أكن متأكدة ماذا أخبرهم، شعرت أن القرار لا يعود لي لتبرير غيابها لهم بطرق قد تتسبب في زيادة إحساسها بالضعف. فكرت أنه ربما يجب أن نتحدث عما قد تريد أن تقوله لهم قبل أن تأتي. تساءلت كثيرًا إذا كنا منحناهم فرصة، إذا كانوا قد شعروا بتطور الحكاية مع الوقت، إذا كان لديهم فرصة للتخلي عن اﻷحكام، ربما يمكن لليلى أن تأتي لتقضي بعض الوقت مع عائلتها دون عبء تبرير نفسها. لاحقًا حين أصبحت أقل غضبًا، فهمت أن هناك نوع من الاهتمام، القلق الذي يرفض أن يدرك حجم المعاناة التي حاول أبونا حمايتنا، وحماية نفسه، منها.

قبل أن أفهم المسائل المرضية في عائلتنا، كنت أتساءل إذا لم تكن هذه اﻷمور موجودة في مصر: إيذاء الذات، محاولات الانتحار، التجويع، النهم، التقيؤ، اﻹدمان، الموت بداخل الحياة.

أظن أنني تمنيت أن تسمع العائلة حكايات أكثر.

لا أسعى لتأليه الحكي، على الرغم من أن هذه السلسلة يمكن فهمها بطرق مختلفة داخل هذا السياق: باستخدام قصصنا، ننتقل من الظلام إلى النور، نزيل الوصم، ونتحدث عما ظل وقتًا كبيرًا مسكوتًا عنه. ومع الدعوة لأي شكل من الكتابة أو الفن يرتبط بصراعات الصحة النفسية للناس، سعيت ﻷن أجعل اﻷمر واضحًا أن هذه لم تكن دعوة مفتوحة للحكايات، وأنه ليس هناك عبء تبرير أنفسهم.

أخبرني صديق/ة أنهم يفكرون في تقديم شيء ما إلى السلسلة يقولون فيها إنهم يفكرون في اﻹجهار. الكثير من المعاناة تأتي من عدم القدرة على الحديث، وليس هناك شك في قوة التحول التي يمتلكها الحكي. لكن هذا يختلف عن اﻹصرار الضمني على أن «التحدث عن حقيقتك» ضروري أو قادر على التحويل. النوع اﻷدبي لحكايات النساء عن الانتهاكات المتعددة بسبب العيش تحت البطريركية، وبشكل أكثر تحديدًا انتهاك السلامة الجسدية والجنسية، كما في حملة #أنا_أيضا، تمثل بطريقة ما مشهدًا للمعاناة اﻷنثوية. الحكي والبوح ليس قادرًا على التغيير طوال الوقت، في بعض الحالات ربما يكون العكس. وليس عادلًا أن نستمر في طلب الشهادات حول الصدمة مع اﻹصرار على قدرتها على التغيير: هذا هو ما يعنيه أن نكون شاهدين عليها، بينما نتظاهر أن هذه الحكايات تنتهي في نفسها وأنه ليس هناك مسؤولية تستتبع سماعها. يُنتظر من الحكائين أن يحكوا عن صدماتهم طبقًا لعدد من المعايير التي تستدرج تصديقهم والتعاطف معهم. خلال إجراءات المحاكمة في قضية اغتصاب جماعي لفتاة عمرها 18 عامًا في إسبانيا، اٌستخدمت صور لوجهها البليد أثناء الاعتداء وصور لها بعد فترة صغيرة مع أصدقائها كدليل على أنها لم تشعر بصدمة، وبالتالي لم يكن الاعتداء وحشيًا.

بعض الرجال قالوا بعد حملة #أنا_أيضًا إنهم «أصبحوا يعرفون اﻵن». بجد؟ لم يكونوا يعرفون؟ مصدومون؟ يكتب مايكل تاوسج Michael Taussig حول صدمة أن نشهد في «أقسم أنني رأيت هذا» (2011)، وهو بمعنى ما تأمل في عدم دقة اللغة وما يخفيه السرد المتناسق. كتب أن «الصدمة الحقيقية هي لحظة الوعي العابرة باعتيادية ما هو غير عادي، والذي سيبدأ في تغطية نفسه بندبة تمامًا كما يحدث في الجروح. ما يوجد هو حالة من التوازن غير المستقر تستمر فيها العجائب في المراوحة بين هنا وهناك.. في أي لحظة يمكن أن يظهر شذوذ العادي، فقط كي يموت مرة أخرى».

هذا التوازن غير المستقر هو ما يُطلب من الناس أن يساهموا بحكاياتهم فيه. نحتاج إلى حكايات أكثر. لكن دعونا لا نكذب على أنفسنا: العالم ليس على هذه الحالة بسبب نقص الحكايات.

اخترت أن أنشر كل المساهمات في هذه السلسلة. أعرف أن بعضها كُتب أو رُسم أو تكون استجابة للدعوة، بينما البعض اﻵخر يسبقها بكثير. أجريت بعض التدخلات التحريرية، مع الكتاب، حول توضيح بعض النقاط لكنني ترددت فيما يخص أي شيء يبدو أنه يشجع على الانتحار أو يلوم أي شخص على انتحار أحدهم. لكن كان واضحًا تمامًا بالنسبة لي أن بلاغة اﻹسهامات لا يجب أن تكون معيارًا للنشر.

ليلى كانت تكتب شعرًا جميلًا. طالما أخبرها الناس أنها بليغة، لكنها كانت تشتكي على الدوام من عدم قدرتها على شرح المعاناة.

فكرت في الطفلة التي لم يُنظر إلى ألمها بجدية، ربما ﻷنها كطفلة، لا يمكنها أن تصيغ ألمها في بلاغة. في نصها «إلى ابنتي: عن الحافة»، كتبت هـ. ك. «عندي اكتئاب منذ كان عمري ستة أعوام، لكنني لم أفهم هذا إلا بعد 28 عامًا».

كتب/ت قاضي(اسم مستعار) عن تهشم الكلمات: «اضطراب الهوية التفارقي لا يعني وجود هذه الأبعاد المتعددة لشخصيتي، ولكن غياب قدرتي على التحكم في أي منهم: أصبح هستيرية إذا تحرش أحدهم بي، وأبكي إذا تلقيت المديح. ذكاء مخادع للشر، وطيبة مخادعة للغباء. تبعثر هذا النص وأصبح (إمكانية مهدرة) كما وُصفت دائما. المرة اﻷولى التي حاولت فيها الانتحار كان عمري 12 عامًا».

الطريقة التي تأتي بها الجملتين اﻷخيرتين وراء بعضهما تشق قلبي كل مرة أقرأهما.

تناولت بام لبيب بشكل مباشر الرغبة في أن نكون رواة منطقيين لتجاربنا. تصف بدقة الحاجة إلى نكون بليغين حتى حينما «تصبح كل الأشياء حولي محل تساؤل، وسيهيمن عليّ الارتباك والتوتر، لأفقد الاتصال مع وجودي، ومع جسدي». تستطرد: «عندما يتحوّل عقلي إلى هذه الحالة من اللا معني واللا منطقية، تجد من الصعب الإنصات لما أقول، وتجده أصعب، وأصعب، حين تشهد بنفسك تشتته وارتباكه، وحتى عندما يمر وقت وأهدأ، تظل غير قادرًا على الاستماع لي. ألجأ أحيانًا لتضمين حديثي بكلمات معيّنة كأسماء فوكو ودريدا، وبعض الكلمات المنتمية لعالم المثقفين مثل (ذات)، و(تفاوت)، وأدعو أن تفتديني ثقافتي، وتنقذ صورتي أمامك، فتعاود الاستماع لي». وصل إليّ مقال لبيب دون خطأ، ولا حتى خطأ إملائي واحد. يمكنني الشعور بالجهد الذي بذلته كي تكون منطقية وبليغة آملة أن يتم تصديقها. ما هو نوع المستمعين الذي نريد أن نكونهم؟

يُتوقع من حكايات المرض أن توفر لمستمعيها سردية انتصار، رحلة بشعة ربما، لكنها رحلة تمنح نوعًا ما من الحلول، أو الخلاص، دروس نتعلمها على طول الطريق. ثمة عنف في قلب هذا التوقع.

اﻷمر كما لو أن هناك اقتصادًا سياسيًا للحكايات: اعتمادًا على قدرة الناس على الحكي، ومنطقيتهم، وقدرتهم على اﻹقناع، يمكنهم أن يحظوا بالتعاطف، وفي بعض اﻷوقات بالعلاج. يمنح المستمع تعاطفه أو يمنعه.

يصف ماجد، وهو طبيب يعاني من الجزع النفسي، عدم استقراره، وأفكاره الانتحارية، والصعوبة التي يواجهها في الاشتباك مع العلاج، ثم يسأل القارئ ببساطة: «هل يمكنكم الذهاب إلى طبيب يعاني من مشاكل في صحته النفسية؟». تتمنى إنجي أشرف في نصها «على الرغم من وجود رئتين سليمتين»، لو كان في إمكانها التخلص من هؤلاء الذين لا يمكنهم إدراك الواقع الذي تعيش فيه: «لا أحتاج أحدًا ليخبرني مدى واقعية كل هذا ﻷنني أعرف هذا بالفعل كما أعرف راحة يدي». لكنها لا تستطيع هذا ﻷنها قلقة من فشلها إذا غاب الدعم.

السؤال المتعلق بطريقة تعامل اﻵخرين هو الموضوع اﻷساسي لنص لبيب، كما يتضح من العنوان: «عن محاولات النجاة.. عن كل يوم». كتبت أن كل مرة نجحت في النجاة من لحظة ما راودتها الشكوك فيها، «إما أفعل ذلك بمفردي، أو استثمر جهدي في تغيير قناعتانك، أشرح لك وأعِّلمك، حتى يمكنك الوقوف بجانبي». في هذه اللحظات، «لا تكون الحياة هي سؤال ماذا أريد أو لا أريد؟، بل هل يمكنني، اعتمادًا على نظام الدعم هذا، اجتياز النوبة بنجاح؟»

المستمع الذي يجيد اﻹنصات لا يبني أفكارًا واثقة حول ما يجب أن يكون عليه الدعم. إذا اقترح اﻷصدقاء، خلال أوقات الانهيار، تجربة اليوجا أو تناول الطعام الصحي، يعني هذا أن شيئًا ما لا يزال غائبًا عن هؤلاء اﻷصدقاء. كما أوضحت لبيب في الفقرة ذاتها، «الجداول، الروتين، أنظمة الغذاء٬ جلسات العلاج النفسي، الكتابة، العمل، النوم، التمرين البدني، كل ذلك يساعد  في تقليص وتيرة، وحدّة النوبات، لكن النكتة القاسية، هي أن هذه الممارسات، هي نفسها أول ما تقوم النوبات بتفكيكه قبل أن تصل لذروتها». أو كما كتبت نرمين حجازي في قصيدتها «لا، ليس حزنًا»:

أرى اليد التي تمدها

أريد أن ألتقطها

أريد

لكنني متعبة

كل الرسوم من رنا رفيق



المصدر : https://madamasr.com/ar/2019/10/10/feature/%D9%85%...

نقط هذا المقال

قصاصات |  أدوات | كتـب | كتاب | ناشرون | نصوص